روايات

جوز أمي

وبعدين قال
إيه؟
سمعت صوته وهو بيقول
متأكد؟
قفل المكالمة وبصلي.
لازم نمشي.
ليه؟
لأن حد عرف إنك هنا.
مين؟
مش عارف.
طب هنروح فين؟
بص للمفتاح في إيدي.
للبيت القديم.
خرجنا من البيت بسرعة.
وأنا طول الطريق كنت حاسة إن كل حاجة عشتها بدأت تتغير.
وصلنا بعد حوالي ربع ساعة.
وقفنا قدام بيت قديم جدًا.
الدهان واقع.
الشبابيك خشب.
والباب عليه طبقة تراب.
لكن أول ما قربنا، حسيت بحاجة غريبة.
كان المكان مألوف.
دخلنا.

البيت كان شبه الحلم.
رغم إني ما دخلتوش قبل كده، كنت حاسة إني عارفة كل ركن فيه.
مشيت ناحية السلم.
وفجأة افتكرت حاجة.
أنا كنت صغيرة.
يمكن أربع أو خمس سنين.
كنت قاعدة على نفس السلم.
وأمي كانت بتناديني.
صافي… متطلعيش لوحدك.
وقفت مكاني.
أنا كنت هنا.
عبد الرحمن قال
أيوه.
بس إزاي؟
لأن ده كان بيتكم.
دخلنا غرفة في آخر الممر.
كان فيها دولاب كبير.
فتحت الدرج.
مفيش حاجة.
عبد الرحمن قال
دوري تحت الأرضية.
نزلت على ركبتي.

شلت قطعة خشب صغيرة.
لقيت صندوق خشبي.
فتحه بالمفتاح.
جواه ملف كبير.
وصورة.
وصوت مسجل على جهاز صغير قديم.
ضغطت الزر.
سمعت صوت أمي.
صوتها الحقيقي.
ضحكت من بين دموعي.
لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده يا صافي، يبقى فتحي نفذ وعده.
سكتت لحظة.
أنا عارفة إنك ممكن تزعلِي منه. لكن قبل ما تحكمي عليه، اسمعيني.
أبوكي ما سابش حاجة ليكي غير الحق ده. وفتحي هو اللي وقف قدام كل الناس عشان يحميه.
أنا كنت عارفة إني هسيبك بدري.
صوتها ارتعش.

وعشان كده كنت محتاجة حد يكون أب ليكي.
شهقت.
فتحي.
سمعت صوت أمي وهي بتقول
أنا اخترته لأنه الوحيد اللي شفت في عينه رحمة حقيقية.
انفجرت في العياط.
عبد الرحمن وقف بعيد وسابني أسمع.
لو يوم من الأيام عرفتي الحقيقة، افتكري حاجة واحدة.
الأب مش دايمًا هو اللي بيخلف.
الأب هو اللي يفضل واقف جنبك لما الدنيا كلها تمشي.
التسجيل انتهى.
فضلت ساكتة.
وبعدين سمعت صوت خطوات بره.
عبد الرحمن قام بسرعة.
مين؟
مفيش رد.
اتجه ناحية الباب.

لكن قبل ما يفتحه، سمعنا صوت رجل كبير من بره
أنا مش جاي أؤذي حد.
عبد الرحمن وقف.
فتح الباب.
دخل رجل في أواخر الستينات.
بصلي.
وقال
أنا اسمي حمدي.
مين حمدي؟
بص لعبد الرحمن.
قول لها.
عبد الرحمن سكت.
حمدي قال
أنا أخو أبوكي.
حسيت إن الدنيا رجعت تلف بيا.
قعدت.
يعني عندي عم؟
هز راسه.
أيوه.
ليه محدش قال لي؟
قال
لأن أخويا كتب في أوراقه إنه مش عايز حد يقرب منك إلا لما تبقي كبيرة.
ليه؟

قعد قدامي.
لأن العيلة كانت داخلة في مشاكل كبيرة وقتها. وكان شايف إن أفضل حل إنك تبعدي عن كل ده.
وفين كنت طول السنين دي؟
دمعت عينه.
بعيد.
ليه؟
لأني وعدته.
وفتحي كان عارفك؟
أيوه.
وأمي؟
كانت تعرفني.
سكتنا.
وبعدين حمدي طلع ورقة.
دي أهم حاجة.
أخدتها.
كانت وصية أبي.
فيها جملة واحدة شدّتني
أترك كل ما أملك لابنتي صافي، على أن تتسلم حقها عندما تبلغ السن القانونية، وتحت إشراف شخص يختاره وليها.
والشخص المختار كان فتحي.
حطيت الورقة على صدري.

يعني فتحي ما خدش حاجة؟
حمدي هز راسه.
ولا جنيه.
عبد الرحمن قال
بل بالعكس.
بصيت له.
بالعكس إزاي؟
فتحي صرف من ماله الخاص على تعليمك وعلاجك وتربيتك، ورفض ياخد أي مقابل.
الدموع نزلت على وشي.
ليه؟
حمدي قال
لأنه كان شايفك بنته.
رجعت أفتكر كل حاجة.
الفطير.
المدرسة.
أول يوم جامعة.
يوم جوازي.
يوم ولادتي.
كل مرة كنت فاكرة إنه بيعمل واجبه.
لكن الحقيقة إنه كان بيعمل أكتر من واجبه.
كان بيعمل اللي الأب الحقيقي يعمله.

وقتها فهمت آخر جملة قالها لي قبل ما يموت
اوعديني إنك
هتسمعيني للاخر قبل ما تقرري تكرهيني.
كان خايف أكرهه.
مش لأنه أذاني.
لكن لأنه خاف إن الحقيقة تخليني أشوفه كراجل خدعني.
وقفت.
أنا لازم أرجع المستشفى.
عبد الرحمن قال
هو لسه هناك.
جرينا.
لما وصلت، دخلت غرفته.
كان ساكت.
الدكتور قال
هو في غيبوبة دلوقتي.
قعدت جنبه.
مسكت إيده.
أنا عرفت يا بابا.
دموعي نزلت.
عرفت كل حاجة.
قربت منه.
ومش زعلانة.
فضل ساكت.

أنا زعلانة بس إنك كنت شايل كل ده لوحدك.
فضلت ماسكة إيده.
فاكر لما كنت بتعمل لي الفطير بالسكر؟
ابتسمت وسط دموعي.
أنا عرفت دلوقتي إن الفطير كان أسهل حاجة عملتها عشاني.
بعد دقائق، أصابعه اتحركت حركة بسيطة.
الدكتور قرب.
يمكن سامعك.
مسكت إيده أكتر.
أنا مش هكرهك.
ولا عمري هعتبرك جوز أمي.
إنت أبويا.
فتحي فتح عينه بصعوبة.
بصلي.
ابتسم.
وقال بصوت ضعيف جدًا
كنت… عارف.
ضحكت وأنا بعيط.
عارف إيه؟
قال
إنك… هتفهمي.
وبعدين قفل عينه.

انت في الصفحة 3 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى