روايات

المحكمة

قاعة المحكمة بذهول مش طبيعي. الناس كانت بتبص لبعضها مش مصدقة اللي بيحصل، أصوات المتمتمين والهمهمات علت في المكان زي خفخة جناحين طيور مرعوبة في مكان مقفول. القاضي “منصور” كسر السكوت ده بدقة واحدة حاسمة من شاكوشه الخشبي، دقة رجت الخشب وخليت القاعة كلها ترجع تتسمر مكانها.

بص القاضي للحاج “عرفة” — صاحب المحل الكبير — اللي كان واقف في الصفوف الأولى وجنبه حارس أمن المحل، ووشه أتقلب ألوان من الهيبة والصدمة. الحاج عرفة ماكانش راجل عادي في الحي، كان راجل عينيه مليانة كبرياء، لابس عباية صوف فاخرة، ومعتاد إن كلمته هي اللي تمشي، لكن المرة دي، ركبه كانت بتخبط في بعضها من هيبة الموقف.
رفع القاضي نظارته شوية على مناخيره وبص له بنظرة حادة زي المشرط:

— “سمعت اللي قلته يا حاج عرفة؟ ألف دولار غرّامة… تُدفع للولد وأمه بصفتهم تعويض عن قسوة القلوب، وتُدفع فوراً، أو المحكمة تطبق قرار الإغلاق بحذافيره.” الحاج عرفة بلع ريقه بالعافية، واتكلم بصوت متلجلج ومجروح من غروره:
— “بس يا سيادة القاضي… ده سرق! ده التلفيات والرف اللي اتكسر غير العيش والجبنة! أنا راجل صاحب تجارة وبحمي مالي، هو القانون بقى بيعاقب اللي بيطالب بحقه؟” القاضي منصور مال بجسمه لُقدام، وحط إيديه الاثنين على المنصة، وعينيه لمعت بنور غريب، بص لجمهور القاعة واحد واحد، وبعدين رجع بص للحاج عرفة وقال بنبرة هادية بس تخترق الحديد:

— “القانون يا حاج عرفة ما اتعملش عشان يكون سيف في إيد الشبعان يقطع بيه رقبة الجعان! القانون اتعمل عشان يحمي العدل.. والعدل بيقول إن اللقمة لما تتقطع عن طفل أمه من الجوع، يبقى المجتمع كله مجرم. أنت بنيت تجارتك من خير الناس اللي في الحي ده، فلما يجوع فيهم طفل، يبقى خيرك ده مغشوش! تدفع الغرامة ولا الشمع الأحمر يتجهز؟” الحاج عرفة أتهز من جواه، النبرة ماكانتش مجرد ، دي كانت حكم إلهي صادر من راجل شايف الحقيقة بقلبه مش بس بالكتب. بسرعة، إيده اتمدت لجيب جلبابه

الداخلي، وطلع حزمة فلوس، وعد منها المبلغ وهو بيبص للأرض بكسرة، وحطه على ترابيزة الحاجب.
في الوقت ده، كان الحرس بيعدوا على القاعة. كل راجل وكل ست، كل محامي وكل شاهد، وحتى العساكر الواقفين على الأبواب، كل واحد طلع اللي يقدر عليه. اللي دفع دولار، واللي طلع خمسة، واللي حط كل اللي في جيبه وهو دموعه نازلة. القاعة اللي كانت من شوية مكان للخوف والمحاكمة، اتحولت لملحمة من التضامن البشري اللي يغسل القلوب.

الولد — وكان اسمه “حسن” — كان واقف في نص القاعة مش فاهم اللي بيحصل. عينيه الشاحبة كانت بتتطوح بين القاضي وبين الفلوس اللي بتتجمع على الترابيزة. كان حاسس إن جسمه النحيل مش قادر يشيله. الولد ده، اللي قضى يومه يمسح جزم وعربيات الناس عشان يرجع بقرشين يشتري بيهم لقمة، ماكانش متعود إن حد يبص له بنظرة رحمة، ماكانش متعود غير على الخبط باليد أو الشتم باللسان. قرب منه الحاجب، ولمّ الفلوس كلها في شنطة صغيرة، وحطها قدام القاضي. القاضي منصور بص للشنطة، وبعدين أشار

لـ “حسن” عشان يقرب منه.
حسن خطى خطوتين خايفين، رجيله السمر الصغيرين المترقيعة بنعال مقطوعة كانت بتتكتك على البلاط. وقف قدام المنصة، وراسه لسه مدلدلة. القاضي منصور قال بصوت دافي زي حضن أبوي:
“ارفع راسك يا حسن… ارفع راسك يا ابني.” حسن رفع راسه بالعافية، دموعه كانت عاملة خطوط نضيفة وسط الهباب والتراب اللي مغطي وشه الصغير حاجة ناكلها يا حبيبي؟” حسن قرب منها، وترمى في حضنها وهو بيضحك وبيعيط في نفس الوقت، حط شنطة الفلوس في إيدها، وقال بصوت مليان فرحة وأمل:

— “جبت لك الشفا والأكل والكرامة يا أمي! ربنا بعت لنا ملك في صورة قاضي… خلاص يا أمي، زمن الجوع والخوف عدى، ومن النهارده مش هنحتاج لعدم تاني أبدًا!” الأم بصت للفلوس وبصت لابنها، وماكانتش مصدقة، ولما حكى لها حسن كل اللي حصل في القاعة، رفعت إيدها بالدعاء للقاضي الرحيم وللمجتمع اللي أفتكر إن الرحمة هي أصل العدل.

وفي اليوم ده، اتعلمت المدينة كلها درس مش هيتنسى: إن العدالة مش مجرد نصوص في كتب القانون، العدالة هي إننا نحس ببعض، وإن اللقمة اللي بتطعم جائع، أفضل عند ربنا من ألف خطبة وألف موعظة. والقاضي منصور بقراره الشجاع، ما أنقذش حسن وأمه بس… ده أنقذ روح المدينة كلها من الجفاف والقسوة.#مشيره_محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى