
لكن المرة دي، ملامحه كانت هادية.
عدت أيام.
فتحي توفى بهدوء.
ودفنته بنفسي.
وقفت قدام قبره وقت طويل.
وقلت
أنا فقدت أمي زمان.
بس ربنا عوضني بأب.
وبعد الدفن، رجعت البيت.
لقيت الصندوق قدامي.
فتحت آخر ظرف.
كان فيه ورقة صغيرة.
خط فتحي.
يا صافي، لو وصلتي للنهاية، يبقى أهم حاجة عرفتيها مش مين أبوكي بالدم.
أهم حاجة تعرفي مين وقف جنبك.
أنا محظوظ إن ربنا اختارني أكون أبوكي.
ولو في يوم أولادك سألوكي عني، قولي لهم إن جدهم فتحي ما كانش عنده غير بنت واحدة.
وهي إنتِ.
انهرت في العياط.
لكن وسط كل الحزن، لأول مرة فهمت معنى العيلة الحقيقي.
مش كل عيلة بتبدأ بالدم.
في عائلات بتبدأ بوعد.
ووعد فتحي كان أقوى من أي ورقة وأي نسب.
بعد شهور، خلصت كل الإجراءات القانونية.
البيت والأرض والحقوق اتسجلت باسمي زي ما أبويا كتب.
لكن أغلبها ما كانش أهم عندي من حاجة واحدة.
الصور.
صورة أمي.
صورة فتحي.
وصورة وأنا صغيرة وأنا واقفة بينهم.
علقتها في الصالة.
وكل ما أولادي يسألوا
مين الراجل ده؟
أقول لهم
ده جدكم.
ولو يسألوا
هو مش جدنا من ناحية الدم؟
أبتسم وأقول
أوقات الدم بيكون مجرد بداية الحكاية.
لكن اللي بيحبك ويحميك ويقف جنبك ويكمل معاك الطريق…
ده هو العيلة بجد.
وفي يوم، وأنا برتب حاجات فتحي القديمة، لقيت دفتر صغير.
فتحته.
كل صفحة كانت فيها ملاحظة عني.
أول كلمة قلتها.
أول يوم مدرسة.
أول مرة وقعت واتجرحت.
أول نجاح.
أول مرة عملت فيها فطير بنفسي.
وفي آخر صفحة كان مكتوب
صافي كبرت.
والحمد لله إني عشت لحد ما أشوفها أم.
دلوقتي أقدر أرتاح.
قفلت الدفتر وحطيته جنب صورته.
وفي نفس الليلة، عملت فطير بالسكر لأولادي.
ولما دوقت أول قطعة، ضحكت وأنا بعيط.
لأن طعمها كان زي زمان.
نفس السكر.
نفس العجينة.
نفس الذكرى.
بس المرة دي، أنا اللي كنت بعملها.
وبصيت للصورة وقلت
يا بابا فتحي…
وعدك لسه عايش.
وأنا عمري ما هنساك.
ومن يومها، كل سنة في ذكرى وفاته، كنت بعمل الفطير وأجمع أولادي حوالين الترابيزة.
وأحكيلهم عن راجل ما كانش لازم يحبني.
ولا كان لازم يربيني.
ولا كان لازم يتحمل مسؤوليتي.
لكنه اختار يعمل كل ده.
اختار يكون أب.
وفي النهاية، فهمت إن أكبر سر خبّته أمي عني طول حياتي ما كانش سر عن الفلوس ولا البيت ولا النسب.
كان سر عن معنى الأبوة نفسها.
لأنها كانت عارفة إن اليوم اللي هعرف فيه الحقيقة، هكتشف إن الراجل اللي ظنيته مجرد زوج أمي…
كان أبويا من أول يوم.
وآخر حاجة احتفظت بيها من فتحي كانت ورقة صغيرة جدًا.
مكتوب فيها
لو افتكرتيني يوم، ما تعيطيش.
اعملي فطير بالسكر.
وابتسمي.
ومن يومها، كل ما أعمل الفطير، بابتسم.
عشان أعرف إن وعد أبويا لسه عايش.
وإن بعض الناس بتمشي من الدنيا…
لكن أثرها بيفضل عمر كامل.
بعد مرور سنة كاملة على وفاة فتحي، كنت فاكرة إن الحكاية خلصت.
كنت فاكرة إن آخر صفحة في دفتره كانت فعلًا آخر حاجة هتربطني بالأسرار اللي خبّاها عني.
لكنّي كنت غلطانة.
الغريب إن البداية الحقيقية للحكاية كانت لسه مستنياني.
في يوم جمعة، كنت قاعدة في البيت مع أولادي، وبجهز لهم الغدا، لما سمعت جرس الباب.
مسحت إيدي في المريلة وروحت أفتح.
كان مندوب توصيل واقف ومعاه ظرف بني كبير.
قال
الأستاذة صافي؟
قلت
أيوه.
مد إيده بالظرف.
ده ليكي.
بصيت للظرف.
مفيش اسم مرسل.
بس كان مكتوب اسمي بالكامل بخط أعرفه كويس.
خط فتحي.
اتجمدت مكاني.
إنت متأكد إن ده ليا؟
قال
أيوه، الاسم والعنوان مكتوبين هنا.
أخدت الظرف وقفلت الباب.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
دخلت الصالة، وقعدت قدام الترابيزة.
فضلت أبص للظرف حوالي خمس دقايق من غير ما ألمسه.
كان فتحي مات من سنة.
إزاي ممكن يكون باعتلي حاجة؟
فتحت الظرف ببطء.
لقيت جواه مفتاح صغير.
ومعاه ورقة.
أول سطر كان
لو بتقري الكلام ده، يبقى لازم تروحي للمكان اللي هقولك عليه لوحدك.
وقفت عن القراءة.
رجعت أقرا.
مش عشان فيه خطر.
لكن عشان فيه ذكرى تخص أمك.
حطيت إيدي على قلبي.
أمي.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أكمل.
روحي لمحطة القطار القديمة في البلد، واسألي عن المخزن رقم سبعة.
تحتها كان فيه عنوان.
وفي آخر الورقة
ومتخافيش.
أنا رتبت كل حاجة.
بصيت للمفتاح.
كان عليه رقم سبعة.
اتصلت بعبد الرحمن.
أول ما سمع صوتي، قال
إيه اللي حصل؟
قلت
لقيت جواب من فتحي.
سكت.
جواب؟
أيوه.
حكيت له.
ولما وصلت لموضوع المخزن رقم سبعة، صوته اتغير.
صافي، إنتِ متأكدة؟
أيوه.
طيب اسمعيني كويس.
إيه؟
المكان ده أنا عمري ما سمعت فتحي يتكلم عنه.
اتوترت.
يعني إيه؟
يعني إننا ما نعرفش إيه جواه.
قلت
الجواب بيقول إنه متعلق بأمي.
سكت شوية.
وبعدين قال
لو هتروحي، أنا هاجي معاكي.
قلت
الجواب قال لوحدي.




