
لكن قبل ما ألمسه، عبد الرحمن قال
بس لازم تعرفي حاجة الأول.
بصيت له.
إيه؟
فتحي ما كانش بيكدب عليكي عشان يؤذيكي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أنا مش فاهمة.
كان بيحاول يحميكي.
فتح الصندوق.
جواه كانت حاجات قديمة.
شهادة ميلاد.
صور.
خطابات.
وسلسلة صغيرة عليها تعليقة فضية.
أول ما شفت السلسلة، شهقت.
دي كانت معايا وأنا صغيرة.
عبد الرحمن هز راسه.
وأمك كانت حريصة إنها تفضل معاكي.
مسكتها.
وبمجرد ما لمستها، افتكرت صورة قديمة في دماغي.
أمي وهي بتحط السلسلة حوالين رقبتي.
كانت بتضحك.
وكانت بتقول
خلي بالك منها يا صافي… دي الحاجة الوحيدة اللي لازم تفضل معاكي.
كنت فاكرة إن دي مجرد ذكرى طفولة.
لكن دلوقتي فهمت إنها كانت بتحاول تقول لي حاجة.
فتحت أول ظرف.
كان عليه اسمي.
بخط أمي.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الورقة.
بنتي صافي…
وقفت عن القراءة.
دموعي غطت الكلام.
عبد الرحمن قال
كملي.
رجعت للورقة.
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا وفتحي ما بقيناش موجودين في حياتك، وده أكيد هيكون أصعب وقت عليكي.
لكن لازم تعرفي إن فتحي ما كانش مجرد زوجي. هو كان الشخص اللي وعدني قبل موتي إنه يعتبرك بنته، ويحميكي، وما يخليش أي حد يستغل ضعفك أو يخليكي تدفعي تمن حاجة إنتِ مالكيش ذنب فيها.
شهقت.
إيه الحاجة اللي ماليش ذنب فيها؟
كملت.
من يوم ما اتولدتي، كان فيه ناس شايفين إن وجودك مشكلة.
وقفت.
ناس مين؟
عبد الرحمن بصلي بحزن.
كملي الرسالة.
رجعت أقرا.
أبوكي الحقيقي مات قبل ما تعرفيه. وكان فيه خلافات كبيرة على حاجات تخص العيلة وحقوقك. وأنا رفضت إن أي حد يقرب منك.
بصيت لعبد الرحمن.
أبويا مات؟
هز راسه.
أيوه.
وأنا كنت فاكرة إن فتحي هو أبويا.
قال بهدوء
وهو فعلًا كان أبوكي… حتى لو مش أبوكي بالدم.
نزلت دموعي.
ليه محدش قالي؟
أمينة قالت
لأن أمك طلبت من فتحي يخبي عنك الحقيقة لحد ما تبقي كبيرة وقوية وتقدري تستحمليها.
رجعت للرسالة.
فتحي هيقول لك إنك كنتِ طفلة عادية، وإن حياتك بسيطة. لكن الحقيقة إن فيه أوراق وميراث وحق باسمك من يوم ولادتك، وناس حاولت توصل له سنين.
اتجمدت.
ميراث؟
فتحت الصفحة اللي بعدها.
أنا مش خايفة على الفلوس يا صافي.
أنا خايفة إن حد يستعملها عشان يفرقك عن الناس اللي بتحبك.
ثم جملة أخيرة
لو فتحي أخدك بعيد، ولو كبرك بعيد عن بعض الناس، ما تكرهيهوش. هو نفذ وعده.
حطيت الورقة على الترابيزة.
يعني فتحي كان عارف كل ده؟
عبد الرحمن قال
كان عارف أكتر مني.
طب ليه بعتني هنا؟
بص للصندوق.
عشان بعد وفاته محدش يقدر يخوفك.
فتحت باقي الأوراق.
كان فيه عقد ملكية قديم.
وشهادة وفاة.
وصورة لرجل شاب.
وأخيرًا ظرف صغير مكتوب عليه
افتحيه لما تعرفي كل حاجة.
فتحت الظرف.
كانت ورقة واحدة.
خط فتحي.
يا بنتي…
أول كلمة خلتني أعيط.
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش قادر أقولك الكلام ده بنفسي.
وقفت أقرأ.
أنا عارف إن أول إحساس هيجيلك إنك اتخدعتِ. بس والله يا صافي، عمري ما شوفتك غير بنتي. يوم ما شلتك أول مرة بعد وفاة أمك، كنتِ بتعيطي ومش عارفة تنامي. وأنا وعدتها إني مش هسيبك. ومن يومها، الوعد ده بقى حياتي.
مسحت دموعي.
أنا خبيت الحقيقة مش عشان أحرمك منها. خبيتها عشان أديكي فرصة تعيشي طفولة طبيعية.
كنتِ بتسأليني ليه مش زي باقي البنات، وكنتِ بتسألي عن أبوكي، وأنا كنت بقولك إن أبوكي الحقيقي مش موجود. وده كان جزء من الحقيقة.
لكن فيه جزء تاني…
قلبت الصفحة.
أبوكي ترك لي أمانة تخصك. الأمانة دي مش فلوس بس. دي مستندات تثبت حقك في بيت وأرض وحساب قديم. لكن أخطر حاجة إن فيه ناس كانت بتحاول تستولي على كل ده.
حسيت بقشعريرة.
وعشان كده أنا أخفيت الأوراق.
عبد الرحمن هو الشخص الوحيد اللي وثقت فيه في آخر مرحلة. وهو مش قريبك، لكنه كان صديق أبوكي، وشهد على جزء كبير من اللي حصل.
بصيت لعبد الرحمن.
ليه أنت؟
قال
لأني وعدت فتحي.
فتحت الصفحة الأخيرة.
يا صافي، لو حد قال لك إن فتحي خد منك حقك، ما تصدقيهوش. أنا اللي طلبت منه يحتفظ بكل حاجة لحد ما تبقي كبيرة.
والأهم من كل ده…
كانت آخر جملة.
لو وصلتي لعبد الرحمن، اسأليه عن المفتاح.
رفعت عيني.
مفتاح إيه؟
عبد الرحمن سكت.
إنت عندك مفتاح؟
قام من مكانه.
مشى ناحية مكتبة صغيرة.
طلع كتاب قديم.
فتحه من النص.
وقع منه مفتاح صغير.
حطه قدامي.
ده.
بصيت له.
مفتاح إيه؟
قال
ده مفتاح البيت القديم.
بيت مين؟
بيت أبوكي.
قلبي خبط.
البيت لسه موجود؟
أيوه.
وفين؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
في نفس المنطقة اللي كنتِ عايشة فيها زمان.
اتصدمت.
يعني قريب من البيت اللي ربيت فيه؟
أقرب مما تتخيلي.
مسكت المفتاح.
وليه فتحي ما قالليش؟
عبد الرحمن بصلي وقال
لأن البيت ده فيه آخر جزء من الحقيقة.
في اللحظة دي، موبايل عبد الرحمن رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
رد.
ألو؟
سكت.




