
“أنا لو عليا مخليكيش تجيبي حتى الحاجة دي.. لكن مفيش في إيدي حاجة غير مرتبي، وإنتِ عارفة.” قالت بهدوء: “عارفة يا حبيبي، وبكرة الدنيا هتتغير، وحياتنا هتتغير، وهنبقى من طبقة أفضل، وبكرة تقول دنيا قالت.” وقف الأستاذ حمدي مهران أمام فارس وهو يربت على كتفه قائلًا: “بس كده يا سيدي، خلاص اعتبرها اشتغلت. خليها تيجي من بكرة لو تحب.” قال فارس بامتنان: “متشكر أوي يا دكتور.” ابتسم الأستاذ حمدي وهو يقول باهتمام: “علشان تعرف بس إن نظرتي ثاقبة دايمًا.. قلتلك هتنجح وبالتقدير اللي أنت عاوزه.” قال فارس بسعادة: “طبعًا يا دكتور، وربنا ما يحرمناش من توجيهاتك أبدًا.”
اعتدل الأستاذ حمدي في مقعده وهو يقول: “بس أنا عاوزك تسعى في الماجستير من دلوقتي يا فارس، ده هيخدمك جامد في المستقبل. وعندك مكتبتي هنا في المكتب، استعين بيها زي ما أنت عاوز، يعني مش هتحتاج تشتري كتب من بره.” قال فارس في تفكير: “إن شاء الله يا دكتور، بس أنا دماغي مشغول دلوقتي بحكاية النيابة دي. عاوز أستنى لما أعرف مستقبلي فيها.” الأستاذ حمدي: “فكر تاني في الموضوع ده. حكاية النيابة دي لسه قدامها وقت، وإنت لسه هتاخد دبلومة قبل الماجستير.. استغل الوقت ده وخد الدبلومة لحد ما نشوف موضوع النيابة.” بدأ عليه التفكير في الأمر وهو ينظر للأمام قائلًا:
“خلاص يا دكتور، أنا حطيت الموضوع في دماغي، وإن شاء الله هابتدي أسأل على الإجراءات وإيه المطلوب بالظبط.” أومأ الأستاذ حمدي برأسه مبتسمًا وهو يقول: “خلاص، ولو احتجت أي حاجة ما تترددش تعال لي على طول.” قال فارس: “طيب عن إذن حضرتك.” أشار له أن ينصرف بابتسامة. انصرف فارس إلى مكتبه وجلس إلى مقعده، وأخرج بعض الملفات وبدأ في العمل، ولكن عقله ما زال يدور ويبحث الأمر، ولا يجرؤ أبدًا أن يتطرق إلى نقطة معينة.. وهي احتمال عدم قبوله في النيابة. هو ليس حلمه وحده، وإنما هو حلم والدته ووالده قبل أن يتوفـ,ـاه الله، بل وجيرانه وأصدقائه جميعهم.. ودنيا.
دنيا التي تحلم بأن تصبح زوجة وكيل نيابة، وأن تصعد من طبقتها إلى طبقة أخرى، دنيا التي لا تتوقف عن أحلامها وطموحاتها أبدًا، ولا تقف أمامها أي حدود من أجل تحقيقها. في اليوم التالي، وعند الخامسة مساء، كانت دنيا تقف أمام باب مكتب الأستاذ حمدي مهران، وتخطو فيه أول خطواتها العملية. تمت المقابلة مع الأستاذ حمدي بنجاح، وبدأت في الاطلاع على القضايا وملفاتها في المكتب المجاور لمكتب فارس في نفس الغرفة. نهض فارس من مكانه واقترب من مكتبها مبتسمًا، وجلس على المقعد المقابل لها قائلًا: “ها.. إيه رأيك في الشغل؟ في حاجة مش فاهماها؟”
قالت وهي تنظر بحيرة إلى الملفات التي أمامها: “قول.. في حاجة فاهماها؟” كتم ضحكاته وهو يقول: “معلش، بكرة هتفهمي كل حاجة.” ظلت تنظر إلى الأوراق بعينين حائرتين وهي تقول: “أنا ما كنتش فاكرة الشغل العملي كده.” قال بجدية: “متقلقيش، إنتِ هتنزلي معايا بكرة المحكمة والشهر العقاري، وواحدة واحدة هتتعلمي.” مطت شفتيها وهي تقول: “بس المجهود ده كله على المرتب ده بس؟” نظر لها باستنكار قائلًا: “ده إنتِ لسه متخرجة، وبصراحة المرتب ده ميحلمش بيه حد لسه متخرج. الدكتور كرمك علشاني.” قالت بحدة: “آه، هو ياخد مبالغ كبيرة وإحنا القليل.”
تعجب فارس من طريقة حديثها، وهي التي لم تبذل أي جهد حتى الآن، وقال: “في إيه يا دنيا؟ ده إنتِ لسه بتقولي يا هادي. وبعدين بصراحة، وبشهادة محامين كتير، الدكتور حمدي بيدي أعلى مرتبات في مكاتب المحامين كلها. وبعدين خلي بالك، إحنا مش بناخد مرتب وبس، لأ، إحنا بناخد كمان خبرته الطويلة، ودي ما تتقدرش بفلوس.” عبثت في الأوراق وهي تقول بلا مبالاة: “والله إنت طيب يا فارس. يلا بقى قولي المفروض بكرة هنعمل إيه بالظبط.” قال بجدية: “قبل ما أقولك على الشغل، عاوز أقولك إني قررت حاجة مهمة جدًا.” التفتت إليه باهتمام قائلة: “حاجة إيه؟ قول.” قال فارس:
“أنا قررت أبدأ في الدبلومة إن شاء الله.” ظهرت الدهشة على وجهها وقالت: “دبلومة! طب والنيابة؟” قال فارس: “يا ستي النيابة لسه قدامها سنة ويمكن أكتر، وأنا زي ما إنتِ عارفة مبحبش أضيع وقت. أنا بقى هستغل الوقت ده وأحضر الدبلومة، ولو النيابة جات مش هخسر، بالعكس، دي هتزودني خبرة في شغلي.” أومأت برأسها بتفكير قائلة: “مش مشكلة، أي حاجة تخلينا نقرب بسرعة معنديش فيها مانع.” قاطعهم دخول باسم، أحد المحامين العاملين في المكتب، وهو ينادي على فارس بصخب، ولكنه توقف عندما وقع بصره على دنيا الجالسة خلف مكتبها. نهض فارس بسرعة واقفًا وهو يقدمها له قائلًا:
“الأستاذة دنيا، أول يوم معانا النهارده.” ابتسم باسم ابتسامة واسعة وهو يتقدم نحوها وقال مرحبًا: “أهلًا وسهلًا، نورتِ المكتب.” صافحته بابتسامة رقيقة، فبدأ في تقديم نفسه قائلًا: “أنا باسم صفوت، محامي هنا وابن خالة الدكتور حمدي.” نظر لها فارس نظرة حادة، فسحبت يدها بهدوء وهي تقول: “أهلًا بحضرتك.” لاحظ فارس نظراته المتفحصة لها، والتي أشعلت مصافحته لها بداية الغيرة في قلبه، فلم يعد يحتمل نظراته هو الآخر، فقال بعصبية واضحة: “خير يا أستاذ باسم؟ حضرتك كنت عاوز حاجة؟”



