
التفت إليه باسم متعجبًا من عصبيته المفاجئة، ولكن الموقف لم يكن يحتاج للكثير من الذكاء، فعلم على الفور أن دنيا تخصه بشكل أو بآخر. فقال بهدوء: “خلصت الملف اللي اديتهولك امبارح قبل ما تمشي؟” كان يحاول السيطرة على أعصابه ولكنه لم ينجح، فكانت كل ملامحه تنطق بالغيرة. استدار ليتناول الملف من فوق سطح مكتبه وناوله إياه قائلًا: “أيوه، خلصته. اتفضل.” قلب باسم صفحاته سريعًا وأشار إليه ليتبعه قائلًا: “طب تعالى معايا مكتبي، عاوز أناقشك في شوية نقط فيه.” ألقى عليها فارس نظرة حادة قبل أن يترك الغرفة، وتبع باسم إلى حجرة مكتبه.
فركت يدها في توتر، فهي تعلم أن غيرته ستجعل الموقف أكثر تعقيدًا، فهو هكذا دائمًا. في هذه الأثناء دخل محامٍ آخر كانت قد التقت به من قبل، قبل دخولها لمقابلة الأستاذ حمدي، فابتسم لها قائلًا: “ها، أخبار المقابلة إيه؟ أنا شايف أهو ما شاء الله بدأتي شغلك.” قالت بارتباك: “آه الحمد لله، متشكرة أوي يا أستاذ حسن.” جلس إلى أحد المكاتب وأشار إلى المكتب الرابع والخاوي بجواره: “ده بقى مكتب الأستاذة نورا. هي مجاتش النهارده، بس لما هتتعاملِ معاها هتحبيها أوي.” قالت باهتمام: “هي شغالة معاكوا من زمان؟” أومأ برأسه قائلًا:
“آه، بس مش من زمان أوي، أصلها بتشتغل من وهي لسه بتدرس زي فارس كده.” رسمت ابتسامة مصطنعة وقالت بهدوء: “تمام.. إن شاء الله أستفاد من خبرتها.” تصنعت اللامبالاة وهي تنظر للملفات أمامها قائلة: “واضح إن الأستاذ باسم قديم هنا في المكتب.” قال بسرعة: “طبعًا قديم، ده بقاله عشر سنين هنا، ده غير إنه ابن خالة الدكتور حمدي، وهو اللي ماسك إدارة المكتب تقريبًا.” تابعت حديثها بتساؤل: “طب وده إيه خلاه كل ده ميفتحش مكتب خاص بيه؟” أعجب حسن بفضولها الذي يشبع رغبته في الحديث عن شئون زملائه. نظر حسن باتجاه حجرة باسم المغلقة وقال بصوت خفيض: “ده ذكاء منه..
لو فتح مكتب هيضطر يجيب محامين وموظفين ويديهم مرتبات، ده غير النور والإيجار وخلافه. لكن كده بيشتغل في القضايا الخاصة بتاعته واللي بياخد أتعابها كاملة.” قالت دنيا: “طب والأستاذ حمدي ميعرفش كده؟” حسن: “عارف طبعًا، بس ميفرقش معاه كتير. وبعدين زي ما قلتلك، الأستاذ باسم هو اللي بيدير المكتب.. أصلًا الدكتور حمدي مش فاضي ومبيجيش كتير.” خرج فارس من مكتب باسم، فوجدها تتحدث مع حسن. اتجه إلى مكتبه وجلس خلفه وهو ينظر إليها بنظرة عتاب واضحة، مما جعلها تخفي وجهها بين أوراقها حتى لا تنظر إليه. لم يستطع حسن كتم فضوله أبدًا، فقال بسرعة: “هي الأستاذة دنيا تقربلك يا أستاذ فارس؟”
نظر له فارس بحدة وقال: “خطيبتي.. ليه؟” ارتبك حسن بسبب عصبية فارس الواضحة وقال: “لا أبدًا، مفيش، بس بسأل.. ألف مبروك.” وبعد انتهاء مواعيد العمل في المكتب، انصرفت دنيا بصحبة فارس، الذي ظل صامتًا وهو يمشي بجوارها، وهي تحاول اللحاق بخطواته الكبيرة. قالت وهي تحاول جاهدة التقاط أنفاسها: “يا فارس، براحة شوية، أنا بجري علشان ألحقك.” أبطأ من سرعته قليلًا، وظل محتفظًا بصمته. فقالت: “أنا عارفة إنك زعلان مني، بس أنت مش ملاحظ إنك مكبر الموضوع شوية يا فارس؟” توقف فجأة والتفت إليها، وقال بانزعاج: “يعني إنتِ مش شايفة إنك عملتي حاجة غلط؟” ارتبكت وقالت بتلعثم: “يعني كنت أقوله إيه؟
هو اللي سلم وفضل ماسك إيدي.” حاول كتم انزعاجه بقوة وهو يقول: “يلا علشان أوصلك، أنا مش عاوز أتوتر في الشارع وصوتي يعلى.” ثم نظر لها بجدية قائلًا: “خلي بالك، إنتِ مبتراعيش مشاعري ولا وجودي خالص، وأنا مش هستحمل كده كتير.” حاولت أن تدافع عن نفسها مرة أخرى، ولكنه لم يعطها الفرصة، وأوقف سيارة أجرة لتستقلها إلى منزلها. في اليوم التالي صباحًا، كان ينتظرها عند باب المحكمة. رافقته في رحلته اليومية من المحكمة إلى الشهر العقاري في صمت.
لم تحاول التحدث إلا بالقليل، وهو لم يتحدث إلا في العمل فقط، وهو يشرح لها، وهي تحاول حفظ الإجراءات وأماكن المكاتب وأدوارها حتى يسهل عليها التوجه إليها مباشرة عندما تقوم بالعمل بمفردها. علمت قدر التعب والجهد المبذول في عملهم في مهنة المحاماة، وخصوصًا في بداية الطريق. فالنهار ينقضي هكذا تحت وطأة درجة الحرارة الشديدة في الصيف، بين التنقل بين المحاكم وأقسام الشرطة والشهر العقاري وغيرهم. وفي الليل، خلف مكاتبهم، يبحثون الأوراق ويدققون بها، بالإضافة إلى كتابة المرافعات والمذكرات وغيرها. علمت أن العمل ليس سهلًا أو يسيرًا على الإطلاق، فهي ليست موظفة عادية كما كانت تظن.
علمت الآن لماذا كان يقول لها دائمًا إن هذا العمل مرهق. عندما كان يقول لها ذلك، كانت تشعر بالاستياء، وبأنه يقلل من دورها وطموحها، ولكن بعد أن رأت بعينيها، علمت أنه كان يتحدث عن صعوبة الطريق. فهل تعود إلى بيتها وتنتظر حتى يتم تحديد مصيرها كان فى طريقه إلى المنزل شارداً غارقاً فى تفكيره، لا يجد حصاة أمام قدميه إلا وركلها يميناً أو يساراً، وكأنها كرة يسددها نحو مرماها… المشوار طويل والجهد ليس قليلاً.. يا ترى يا فتاتى، هل تستطيعين الصبر؟ ماذا سيكون مذاقه على لسانك؟ هل سيحلو لكِ أم ستنفرين منه ومنى؟ سأقدم لكِ ما تريدين، ولكن انتظرينى فقط…



