
“مين يا ماما؟” قالت والدته بتأفف: “السفيرة عزيزة بتاعتك.” ابتسم وهو ينهض من فراشه واتجه مباشرة إلى الهاتف: “ألو.” “صباح الخير يا حبيبي.” “لسه فاكرة؟” “هو أنا لحقت؟ ده أنا لسه سايباك امبارح.” “سايباني طول اليوم وأنتِ عارفة إني مضايق منك، وجاية تتصلي تاني يوم؟” “خلاص بقى يا حبيبي، متبقاش عنيد كده.. يلا بقى البس وانزل، عاوزة أشوفك.” ابتسم ولكنه صبغ صوته بنبرة جادة قائلًا: “لا، مش قادر أنزل.” “كده برضه؟ يعني موحشتكش؟” “أنتِ فين دلوقتي؟” “أنا في البيت.” “طيب خلاص نتقابل في المكان بتاعنا بعد ساعة.” زفرت بقوة وهي تقول: “يا حبيبي مش هنغير بقى المكان ده؟
تلاقي مامتك ادتك حلاوة النجاح.” قال بحدة: “جري إيه يا دنيا؟ هو أنا عيل ولا إيه؟ إيه حلاوة النجاح دي؟” “طب خلاص متتعصبش كده.. خلاص أوكي، ساعة وهكون هناك.. يلا مع السلامة.” “سلام.” أغلق فارس الهاتف واتجه إلى الحمام، توضأ وصلى الظهر، ثم بدل ملابسه واتجه إلى المطبخ. وجد والدته تعد طعام الغداء، وعندما رأته قالت بعبوس: “يعني مقولتش إنك خارج النهارده.. أومال أنا بعمل الغدا ده لمين إن شاء الله؟” “هنا.. بس اتغدي إنتِ، متقعديش جعانة لحد ما أرجع.” ربتت على ظهر يده وهو يعبث بالطعام وتقول: “قولتلك مية مرة متحطش إيدك في الأكل كده، استنى أحطلك في طبق.”
تناول كوب مياه ليشربه ثم قال: “لا لا، لما أجي بقى.. مش عاوزة حاجة أجيبهالك معايا؟” قالت والدته: “لا مش عاوزة.” وكانت مهره تقف بجوارها في الشرفة، فقالت لها: “يا بنت، عيب كده، هو خلفك ونسيكي؟” أخذت مهره دميتها ولم تجبها، ودخلت لتكمل لعبتها ببراءة تارة وتضايق أخيها يحيى تارة أخرى. خرج عامر من ورشته عندما سمع صوت فارس واتجه إليه في خطوات واسعة مهنئًا: “مبروك يا أستاذ فارس، معلش ملحقتش أكلمك امبارح، كان عندي زباين واتحرجت أطلعلك فوق.” ابتسم فارس متفهمًا وقال: “الله يبارك فيك يا عم عامر، ويا رب عقبال مريان ومينا ما يتخرجوا وتفرح بيهم.” عامر مبتسمًا:
“طيب مش هاعطلك بقى يا سعادة المستشار.” ضحك فارس بعذوبة قائلًا: “يسمع من بوقك ربنا يا عم عامر.” ثم قال معتذرًا: “عن إذنك أنا بقى علشان مستعجل.” عامر: “اتفضل يا ابني، مع السلامة.” وقبل أن يتحرك سمع جلبة من خلفه وهتافًا يعرفه جيدًا: “يا أستاذ فارس، استنى!” التفت وهو يرفع حاجبيه بمرح للحاج عبد الله الذي أقبل عليه، قائلًا: “مبروك يا أستاذ فارس يا ابني، والله والله أنا فرحان زي ما يكون ابني هو اللي اتخرج وبقى باشا قد الدنيا.” ضحك فارس مداعبًا: “لسه ما بقيتش باشا يا حاج عبد الله، ادعيلي أنت بس.”
وضع الحاج عبد الله يده على كتفه وتكلم بحماس كعادته: “داعيلك يا ابني والله، ربنا يكتبلك الخير مطرح ما تروح يا ابني.” ربت فارس على يده بامتنان قائلًا: “ربنا يتقبل منك يا حاج عبد الله.” ثم تنحنح قائلًا: “طيب تؤمرني بحاجة؟ أصلي عندي مشوار كده.” أفسح له الحاج عبد الله الطريق قائلًا: “لا يا ابني، اتفضل، متعطلش نفسك. ربنا يجعل في كل خطوة سلامة.” أكمل فارس طريقه بصعوبة، فكلما خطى خطوة أوقفه أحد جيرانه مهنئًا وداعيًا له بالتوفيق. نعم، هذه هي القلوب المحبة التي تمتاز بها أحياؤنا المصرية البسيطة.
وقفت دنيا تنتظر ظهور فارس وهي تنظر لساعتها اليدوية في قلق، حتى ظهر أخيرًا قادمًا من بعيد بابتسامته المشرقة الجذابة. وعندما رآها أسرع الخطى نحوها ووقف معتذرًا: “آسف والله يا حبيبتي، بس أعمل إيه؟ الناس عندنا ما كانتش عاوزة تسيبني، كل شوية حد يوقفني يباركلي ويدعيلي.” عقدت ذراعيها بانزعاج قائلة: “يعني الناس دول أهم مني؟” قطب جبينه بمرح قائلًا: “أنتِ عارفة إن مفيش حد أهم منك عندي.. صح ولا لأ؟” وأمسك يدها وأجلسها على مقعدهما المفضل أمام النيل مباشرة قائلًا: “يعني مردتيش؟” التفتت إليه قائلة: “عارفة يا سيدي.. ارتحت.” ثم أردفت قائلة: “فارس، أنا ليا عندك طلب.” أومأ برأسه قائلًا:
“أؤمريني يا حبيبتي.” قالت بدلال: “أنا عاوزة أجي أشتغل معاك في المكتب.” زفر بضيق قائلًا: “مش إحنا اتفقنا قبل كده إن أنا بس اللي هشتغل؟ أنتِ عارفة يا دنيا شغل المحاماة متعب إزاي، وبصراحة كده بحس إنه مرهق للبنات.” قالت بعناد: “بس أنا عاوزة أشتغل.. وبعدين ما أنا هبقى معاك يا سيدي، إيه اللي هيتعبني؟” رفع حاجبيه بدهشة قائلًا: “يا سلام! يعني لما تيجي تشتغلي والأستاذ يديكي شغل تعمليه، هتقوليله: طب أخد فارس معايا ولا إيه؟ مش فاهم يعني.. أنا مش حابب يا دنيا كل يوم تقعدي تتنقلي ما بين الأقسام والنيابات والمحاكم، والموظف ده يتعامل معاكي بطريقة تضايقك.”
قالت بعناد أكبر: “بص يا فارس، أنا كده ولا كده هشتغل. أنا مخدتش الشهادة علشان أفضل قاعدة في البيت.. فقلت أشتغل معاك أحسن ما أروح أشتغل في مكتب تاني. وعلى فكرة جايلي مكتب كويس أوي، لكن أنا فضلت أشتغل معاك.” نظر إلى البحر متأملًا وقال بهدوء: “يعني رأيي مش مهم عندك للدرجة دي؟” لمست كتفه وقالت بخفوت: “يا حبيبي، إزاي بس تقول كده؟.. بس أنت عارف يا فارس إني لازم أساعد في تجهيز نفسي، وبابا مش هيقدر على الحمل ده كله لوحده، ده أنا لسه مجبتش حاجة في جهازي.” مط شفتيه متبرمًا وشعر بالاختناق وهو يقول:



