
لأدخل ذلك المبنى بنفسي.
وأعرف أخيرًا ما الذي يحدث خلف الباب الأزرق.
عندما وصلت إلى الباب الأزرق وجدته مفتوحًا جزئيًا.
لكن هذه المرة لاحظت شيئًا لم أره من الخارج.
مكتب استقبال صغير.
وموظف يجلس خلفه.
اقتربت بهدوء.
رفع الرجل رأسه نحوي.
وقال
نعم أستاذ؟
ابتسمت ابتسامة مترددة.
وقلت
سمعت عن المكان من أحد الأصدقاء. عندي طفل وأردت أن أعرف طبيعة العمل هنا.
أشار إلى عدة مقاعد في قاعة الانتظار.
تفضل. سيشرح لك مسؤول التنسيق كل شيء.
جلست.
وأخذت أراقب المكان من حولي.
لأول مرة رأيت ما يوجد خلف الباب الأزرق بوضوح.
لم يكن مخزنًا مهجورًا.
ولم يكن مكانًا سريًا كما تخيلت.
بل استوديو تصوير كبير.
كاميرات.
إضاءات احترافية.
خلفيات ملونة.
غرف تبديل ملابس.
وأطفال.
الكثير من الأطفال.
بعضهم مع آبائهم.
وبعضهم مع أمهاتهم.
وبعضهم ينتظر دوره في التصوير.
لثوانٍ شعرت بشيء من الارتياح.
ربما أخطأت.
ربما كانت مريم تبالغ.
وربما كانت أمينة تخفي الأمر فقط لأنها تعرف أننا سنرفض مشاركة ابنتنا في الإعلانات.
لكن شيئًا ما ظل يزعجني.
في إحدى الزوايا كانت طفلة صغيرة تقف أمام الكاميرا.
بدت مرهقة.
ورغم ذلك طلب منها المصور إعادة المشهد مرة بعد أخرى.
وفي الجهة المقابلة كان طفل يبدل ملابسه للمرة الثالثة خلال أقل من ساعة.
مرة بزي مدرسي.
ومرة بدشداشة.
ومرة بملابس رياضية.
كل شيء بدا قانونيًا.
لكن الأطفال هنا لم يكونوا يشاركون في نشاط ترفيهي.
كانوا جزءًا من صناعة كاملة.
إعلانات.
محتوى دعائي.
فيديوهات ممولة.
وحملات تسويقية.
بينما كنت أراقب المكان لمحْت مريم.
كانت تجلس في آخر القاعة.
ترتدي الفستان الأبيض.
وبجوارها أمينة.
شعرت بانقباض في صدري.
خفضت رأسي فورًا حتى لا تراني.
وبدأت أراقب من بعيد.
بعد دقائق اقتربت منهما موظفة تحمل عدة أوراق.
وضعتها أمام أمينة.
ثم أشارت إلى مكان محدد.
تناولت أمينة القلم.
ووقعت.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم أعادت الأوراق إليها.
لم أستطع رؤية التفاصيل.
لكنني التقطت عدة صور بهاتفي من بعيد.
بعد ذلك اتجهت الموظفة نحو الطابعة القريبة.
وطبعت مجموعة أوراق جديدة.
ثم غادرت للحظات بعدما ناداها أحد العاملين.
بقيت الأوراق فوق المكتب.
وحيدة.
اقتربت ببطء.
متظاهرًا بتفحص بعض المنشورات الدعائية الموضوعة بجوارها.
ألقيت نظرة سريعة.
ثم ثانية.
وفي الثانية تجمدت مكاني.
كان اسم أمينة ظاهرًا أعلى إحدى الصفحات.
وتحته سجل دفعات متعددة.
مواعيد مختلفة.
ومبالغ متكررة.
ليست كبيرة.
لكنها منتظمة.
شهرًا بعد شهر.
التقطت صورتين بسرعة.
ثم عدت إلى مقعدي قبل أن ينتبه أحد.
بعد دقائق خرج رجل قدم نفسه بصفته مسؤول التنسيق.
جلس معي.
وبدأ يشرح طبيعة العمل.
كيف تشارك بعض الشركات أطفالًا في حملاتها الإعلانية.
وكيف يحصل أولياء الأمور على مقابل مادي لقاء الجلسات.
أخبرني أن الاستوديو يعتمد على الشخص الذي يحضر الطفل بصفته المسؤول عنه، ما دام يوقع التعهدات المطلوبة.
كنت أومئ برأسي.
لكنني لم أكن أستمع حقًا.
لأن الصورة بدأت تتشكل أمامي.
لم يكن هناك خطف.
ولم يكن هناك احتجاز.
لكن أمينة كانت تأخذ مريم إلى هذا المكان منذ أشهر.
دون علمنا.
وتوقع الأوراق بنفسها.
وتستلم الأموال بنفسها.
وتطلب من مريم ألا تخبر أحدًا.
تذكرت كلمات ابنتي.
الجدة قالت لا أخبر أحدًا.
وفجأة فهمت كل شيء.
لم يكن الباب الأزرق هو السر.
السر كان ما تفعله الجدة خلف ظهورنا.
غادرت المبنى بعد ذلك بوقت قصير.
وفي هاتفي عشرات الصور.
صور لمريم داخل الاستوديو.
وصور لأمينة وهي توقع الأوراق.
وصورتان لسجل الدفعات.
كانت أدلة كافية بالنسبة لي.
لكنها لم تمنحني أي راحة.
لأن الحقيقة التي اكتشفتها لم تكن أقل إيلامًا مما كنت أخشاه.
بعد أقل من ساعة كنت أجلس داخل سيارتي أمام المنزل.
أراجع الصور مرة تلو الأخرى.
وأحاول استيعاب ما رأيته.
ثم وصلت زينب.
نزلت من سيارتها بسرعة.
ودخلت المنزل.
تبعتها بعد لحظات.
وجدتها واقفة في غرفة الجلوس.
شاحبة الوجه.
وعيناها تمتلئان بالغضب والصدمة.
ما إن رأتني حتى قالت
أين أمي؟
أجبت بهدوء
في الملحق الخلفي.
لم تقل شيئًا.
استدارت فورًا واتجهت نحو الباب المؤدي إلى الحديقة.
أدركت أنها بلغت حدًا لم تعد معه قادرة على الانتظار.
لحقت بها.
فتحنا باب الملحق دون استئذان.
كانت أمينة جالسة على سجادة الصلاة.
ترفع يديها بالدعاء.
وحين رأتنا، أنزلتهما ببطء.
ثم نظرت إلى وجوهنا.
وعرفت على الفور أن شيئًا ما قد انكشف.
قالت بصوت خافت
ماذا حدث؟
ألقت زينب مجموعة الصور فوق الطاولة.
تناثرت الأوراق أمامها.
صور مريم.
صور الأطفال.
صور الاستوديو.
صور العقود.
وصورة لتحويل مالي يحمل اسمها.
تجمد وجهها.
ثم أغمضت عينيها.
وكأنها كانت تعلم أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
صرخت زينب
لماذا؟!
لم تجب.
تقدمت خطوة أخرى.
وقالت بصوت أكثر حدة
لماذا كنتِ تأخذين ابنتي من دون علمي؟
ظلت صامتة.
ولماذا كنتِ توقعين نيابة عنها؟
صمت.
ولماذا كنتِ تستلمين المال؟
عندها فقط بدأت يداها ترتجفان.
ورأيت الدموع تتجمع في عينيها.




