روايات

توسلت إلي ابنتي إلا أسافر في رحله عمل

أجبت وأنا أراقب الباب الأزرق
ما زلت أتابع.
هل وجدت المكان؟
نعم.
ساد صمت قصير.
ثم سألت
هل يبدو مكانًا خطيرًا؟
نظرت نحو المبنى.
ثم قلت
لا أعرف.
كيف لا تعرف؟
هناك أطفال كثيرون يدخلون مع أهاليهم.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت
إذن ربما يكون مكانًا عاديًا.
ربما.
لكن مريم ما زالت هناك.
أعرف.
سمعت زفيرها المرتجف.
ثم قالت
ماذا ستفعل؟
قلت
سأراقب قليلًا فقط. إذا رأيت ما يثير القلق سأتصل بصديقي فورًا.
لا تتصرف وحدك.

لن أفعل.
أنهينا المكالمة.
لكن الحقيقة أنني لم أكن واثقًا من شيء.
عدت إلى الكاميرا.
ومرت عشرون دقيقة أخرى.
ثم حدث أول شيء لفت انتباهي.
خرج طفلان من الباب الأزرق.
تبعتهما امرأة تحمل أوراقًا.
لكن الطفلين لم يكونا يرتديان الملابس نفسها التي دخلا بها.
أحدهما كان يرتدي بدلة صغيرة أنيقة.
والآخر قميصًا أبيض وربطة عنق.
راقبتهما حتى ركبا سيارة والدهما.
ثم عدت إلى تسجيل الفيديو.
خرج طفل ثالث.
كان قد دخل مرتديًا ملابس رياضية.
أما الآن فكان يرتدي ثوبًا أبيض طويلًا.

وبجانبه رجل يحمل حقيبة كبيرة مليئة بالملابس.
شعرت بالحيرة.
ملابس مختلفة.
أطفال.
زيارات قصيرة.
كل قطعة كانت تنضم إلى الأخرى لتشكل صورة لم أفهمها بعد.
بعد نصف ساعة أخرى رأيت شيئًا جديدًا.
شاحنة صغيرة توقفت أمام المبنى.
فتح السائق الباب الخلفي.
وبدأ بإنزال صناديق معدنية.
ركزت العدسة.
كان أحد الصناديق مفتوحًا جزئيًا.
وفي داخله ظهر ما يشبه حامل إضاءة احترافي.
ثم صندوق آخر.
ثم خلفه كاميرا كبيرة مثبتة على قاعدة متحركة.
تجمدت يدي فوق الكاميرا.
معدات تصوير.
حقيقية هذه المرة.

ليست مجرد استنتاج من رسومات مريم.
أصبحت أمامي الآن.
شعرت بأنفاسي تتباطأ.
مريم لم تكن تتخيل.
كانت تصف ما رأته فعلًا.
استمر العمال بنقل المعدات إلى الداخل.
واستمر الأطفال بالدخول والخروج.
ومع مرور الوقت بدأ احتمال جديد يتشكل في ذهني.
ربما لم يكن المبنى مهجورًا كما يبدو من الخارج.
وربما لم يكن ما يحدث داخله جريمة بالمعنى الذي تخيلته منذ البداية.
لكن ذلك لم يفسر لماذا أُخفي الأمر عني وعن زينب.
ولا لماذا طُلب من مريم أن تلتزم الصمت.
وفي الحادية عشرة تقريبًا…
فُتح الباب مجددًا.

وخرجت حماتي.
اعتدلت في جلستي فورًا.
كانت وحدها.
تحدثت مع رجل يقف عند المدخل.
ثم أخرجت مغلفًا صغيرًا من حقيبتها وسلمته له.
لم أستطع رؤية ما بداخله.
بعدها عادت إلى الداخل.
رفعت الكاميرا وحاولت التقاط صور أوضح.
لكن المسافة كانت بعيدة.
فكرت بالاقتراب.
كان القرار محفوفًا بالمخاطر.
لكن البقاء في مكاني لم يعد كافيًا.
أغلقت الكاميرا.
ونزلت من السيارة.
تحركت على الرصيف المقابل كأي عابر سبيل.
مررت بجانب محل قديم لبيع قطع السيارات.
ثم عبرت الشارع ببطء.

حتى أصبحت على بعد عشرات الأمتار فقط من المبنى.
ومن هناك استطعت السمع لأول مرة.
كان الباب يُفتح ويُغلق باستمرار.
ومع كل فتحه كانت تصلني أصوات متقطعة.
ضحكات أطفال.
أحاديث سريعة.
وأسماء.
أسماء أطفال يجري مناداتها تباعًا.
علي.
ثم
يوسف.
ثم
نور.
ثم بعد دقائق
مريم.
توقفت في مكاني.
ليس لأن الاسم كان دليلًا على شيء.
بل لأنه أكد أن ابنتي ما زالت في الداخل.
شعرت بانقباض في صدري.
ورغبة جارفة في التوجه نحو الباب فورًا.
لكنني أجبرت نفسي على التراجع.

عدت إلى السيارة.
وأعدت تشغيل الكاميرا.
في الثانية عشرة إلا ربعًا تقريبًا.
فُتح الباب الأزرق مجددًا.
وخرجت مريم.
كانت ترتدي فستانًا مختلفًا.
أبيض هذه المرة.
وشعرها مرتب بطريقة لم تكن عليها عندما غادرت المنزل.
كانت تمشي بجانب رجل
في الأربعين تقريبًا.
يحمل ملفًا تحت ذراعه وبطاقة تعريف معلقة في عنقه.
بدا كأحد العاملين في المكان.
خلفهما ظهرت حماتي.
كانت تبتسم.
ثم انحنت نحو مريم وقالت شيئًا.
بعدها أشارت إلى الرجل.
وفي تلك اللحظة رفعت الكاميرا.
وضغطت زر التصوير.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.

عشرات الصور المتتالية.
صورة واضحة.
حماتي.
ابنتي.
وأحد العاملين في المبنى.
كلهم في إطار واحد.
نظرت إلى الشاشة.
وتأكدت أن الصورة التُقطت بوضوح كامل.
شعرت بأن شيئًا ما قد تغير.
حتى لو اختفى الجميع الآن.
حتى لو أغلقوا المبنى وغادروا.
أصبح لدي ما يكفي لأواجه أمينة بالحقيقة.
وأصبح لدي دليل واضح على أن مريم كانت هنا بالفعل.
أخرجت هاتفي واتصلت بزينب.
ردت بسرعة.
قلت دون مقدمات
حصلت على الصور.
سألت بلهفة
هل مريم بخير؟
نعم.
سمعت زفيرًا طويلًا خرج منها.

ثم سألت
وماذا اكتشفت؟
نظرت إلى الباب الأزرق.
ثم قلت
لا أعرف بعد.
ساد الصمت بيننا.
ثم قالت
إذن ماذا ستفعل؟
كان الباب لا يزال مفتوحًا جزئيًا.
وأحد العاملين خرج للتدخين قرب المدخل.
في تلك اللحظة خطرت لي فكرة.
فكرة قد تمنحني الإجابة التي أبحث عنها.
قلت
سأدخل.
ساد صمت طويل.
ثم قالت
أحمد… لا تتصرف بتهور.
أجبت
لن أفعل.
إذن كن حذرًا.
سأكون حذرًا.
أغلقت الهاتف.
ثم التقطت حقيبة الكاميرا.
وخرجت من السيارة.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى