
الخط اللي على الظرف كان شبه خط فتحي.
لكن مش هو.
يبقى مين اللي بعتني؟
عماد قال
وده بالضبط اللي لازم نعرفه.
وبص للصندوق اللي في إيدي.
لأن الشخص اللي بعتك هنا كان عايزك تفتحي الصندوق.
قلت
وليه؟
عماد رد
عشان هو عارف إن جواه حاجة لو ظهرت، هتغير كل اللي فاكرة إنك عرفتيه.
فتح الصندوق بسرعة.
طلع منه ملف صغير.
فتحه.
كان جواه عقد قديم.
وفي أسفل الورقة توقيع.
وقفت أنفاسي.
التوقيع كان توقيع فتحي.
لكن التاريخ كان بعد وفاة أمي بأيام قليلة.
عماد قال
شايفة التاريخ؟
هزيت راسي.
أيوه.
قال
الورقة دي مستحيل تكون اتكتبت بعد وفاة أمك إلا لو…
سكت.
إلا لو إيه؟
بصلي.
إلا لو فتحي كان بيجهز للحقيقة من وقتها.
بصيت للورقة.
وبدأت أفهم إن الحكاية لسه فيها باب تاني.
باب أخطر من كل الأبواب اللي فتحته.
لأن السؤال ما بقاش
مين أبويا؟
ولا ليه فتحي خبى عني الحقيقة؟
السؤال الجديد كان
مين اللي استمر يخبي الحقيقة بعد موت أمي وفتحي؟
وليه مستني لحد دلوقتي عشان يفتح الباب؟
عماد حط إيده على كتفي وقال
صافي، من اللحظة دي، لازم تبقي عارفة إن كل حاجة سمعتيها قبل كده كانت مجرد نص الحكاية.
بصيت له.
والنص التاني؟
قال
موجود في مكان واحد.
فين؟
بص ناحية الصندوق.
في بيت فتحي.
حسيت بقلبي ينقبض.
أنا فتشت البيت كله بعد وفاته.
هز راسه.
إنتِ فتشتي البيت اللي كنتِ شايفاه.
لكن فتحي كان عنده مكان محدش يعرف عنه.
سألته
فين؟
قرب مني وقال
تحت أوضتك القديمة.
رجعت خطوة.
أوضتي؟
هز راسه.
أيوه.
وفيه إيه هناك؟
بصلي نظرة طويلة.
فيه السبب الحقيقي اللي خلا فتحي يربيكي بعيد عن كل الناس.
وسكت لحظة.
ثم قال
وفيه حاجة أهم.
إيه؟
قال
آخر رسالة كتبتها أمك ليكي.
شهقت.
أمي كتبتلي رسالة تانية؟
أيوه.
وفينها؟
عماد بص ناحية الطريق.
لسه موجودة.
بس لو وصلنا قبل الشخص اللي بعتك للمخزن.
لو وصل هو الأول…
سكت.
إيه اللي هيحصل؟
قال
هنخسر آخر دليل يثبت الحقيقة.
ومشينا بسرعة.
وأنا لأول مرة من يوم وفاة فتحي حسيت إن الحكاية ما كانتش عن الماضي.
كانت عن سر لسه عايش.
وسر ممكن يغير معنى كل حاجة عشتها من وأنا طفلة.
وأنا ماسكة الصندوق في إيدي، افتكرت آخر جملة قالها فتحي قبل موته
لازم تعرفي الحقيقة قبل ما أمشي.
لكن دلوقتي فهمت إنه ما كانش يقصد حقيقة واحدة.
كان يقصد بداية الطريق.
والطريق لسه ما خلصش.
وصلنا قدام البيت قبل الفجر بوقت قليل.
الشارع كان هادي بشكل غريب، والبيوت كلها مقفولة، إلا نور ضعيف طالع من شباك بعيد.
كنت ماسكة الصندوق في حضني، وعماد ماشي جنبي.
من ساعة ما قال لي إن تحت أوضتي القديمة فيه مكان مخبي، وأنا حاسة إن قلبي مش قادر يستحمل أسرار أكتر.
فتحت باب البيت.
دخلت.
كل حاجة كانت زي ما سبتها.
الصالون.
الترابيزة اللي كان فتحي بيقعد عليها.
الكرسي اللي كان بيحب ينام عليه بعد الغدا.
حتى البرواز اللي فيه صورتي وأنا طفلة كان لسه مكانه.
وقفت قدامه.
مديت إيدي ومسحت التراب عنه.
وقلت
وحشتني يا بابا.
عماد سكت.
وبعدين قال
لازم ندخل أوضتك.
دخلت الأوضة.
كانت لسه فيها بعض حاجاتي القديمة.
دولاب صغير.
سرير خشب.
وصندوق ألعاب كنت محتفظة بيه من طفولتي.
قعدت على الأرض.
فين المكان؟
عماد أشار للسرير.
حرّكيه.
حركناه بصعوبة.
ظهر جزء صغير من الأرضية مختلف عن باقي البلاط.
ركعت.
شلت القطعة الخشبية.
ظهر تجويف صغير.
وجواه صندوق معدني.
إيدي بدأت ترتعش.
طلعت الصندوق.
كان عليه قفل قديم.
حطيت المفتاح اللي أخدته من المخزن.
فتح.
جواه ظرف أبيض.
وصورة.
وسلسلة.
وصندوق صغير جدًا.
أول حاجة مسكتها كانت الصورة.
كانت أمي وهي حامل.
وبجانبها فتحي.
الاتنين كانوا بيضحكوا.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها
آخر صورة قبل ما تبدأ أصعب أيام حياتنا.
دموعي نزلت.
فتحت الظرف.
وكان مكتوب عليه
لبنتي صافي… لما تبقي مستعدة.
فضلت أبص للجملة وقت طويل.
وبعدين فتحت الرسالة.
بنتي الحبيبة…
مجرد الكلمتين دول خلوني أنهار.
قعدت على الأرض وبدأت أقرأ.
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أكيد كبرتي وبقيتي أم، وأكيد فتحي وفى بوعده ليا.
أنا عارفة إنك هتزعلي إني خبيت عنك حاجات.
وعارفة إنك ممكن تسألي نفسك ليه خليت فتحي يخبي الحقيقة.
لكن يا صافي، أنا ما كنتش خايفة من الحقيقة.
أنا كنت خايفة عليكي من الناس اللي
ممكن تستخدم الحقيقة عشان تكسرك.
وقفت.
بصيت لعماد.
قال
كملي.
رجعت للرسالة.
أبوكي كان راجل طيب، لكنه مات بدري، وساب وراءه مشاكل كتير.
وكان عنده ناس شايفين إنك مجرد طفلة ومش هتعرفي تحافظي على حقك.
فتحي وقف قدامهم.
مش لأنه كان زوجي.
لكن لأنه اختار يكون أبوكي.
في اليوم اللي وافق فيه يربيكي، قال لي جملة عمري ما نسيتها.
قال لو ربنا كتب لي أعيش، البنت دي هتكون بنتي حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده.
دموعي نزلت أكتر.
ومن يومها، فتحي كان بيحوش كل ورقة تخصك.




