
ضحك ضحكة صغيرة.
فتحي كان بيحب يحط شروط.
ابتسمت رغم خوفي.
بس أنا هلتزم بكلامه.
تمام. بس خلي موبايلك مفتوح.
قفلت المكالمة.
بعد ساعة كنت واقفة قدام المحطة القديمة.
المكان كان شبه مهجور.
ممرات طويلة.
أبواب حديد.
ريحة تراب ورطوبة.
سألت عامل كبير في السن عن المخزن رقم سبعة.
بصلي باستغراب.
مخزن سبعة؟
أيوه.
قال
من سنين محدش دخله.
معايا مفتاحه.
بص للمفتاح.
وبعدين بصلي.
يبقى أكيد فتحي هو اللي بعتك.
اتجمدت.
إنت تعرف فتحي؟
قال
كلنا كنا نعرفه هنا.
كان بييجي كل كام شهر.
وكان دايمًا يدخل المخزن ده.
حسيت برجفة في جسمي.
وحده؟
أيوه.
مشيت وراه.
وصلنا لباب حديد قديم.
كان عليه رقم سبعة.
دخل العامل المفتاح في القفل.
لكن قبل ما يفتحه، قال
أنا هسيبك.
ليه؟
فتحي كان بيقول دايمًا إن اللي هييجي هنا لازم يدخل لوحده.
فتح الباب.
ومشي.
دخلت.
كانت الغرفة صغيرة.
وفيها دولاب خشب.
كرسي.
ترابيزة.
وصندوق كبير.
لكن الحاجة اللي شدت انتباهي كانت صورة معلقة على الحائط.
صورة أمي.
وهي شابة.
وقفت قدامها وأنا مش قادرة أتكلم.
كانت لابسة فستان بسيط.
وشعرها متجمع.
وكانت بتضحك.
قربت منها.
لمست الصورة.
ماما…
تحت الصورة كان مكتوب
اليوم اللي اتصورت فيه الصورة دي كان قبل ولادة صافي بشهرين.
قعدت على الكرسي.
دموعي نزلت.
فتحت الصندوق.
لقيت عشرات الخطابات.
كلها من أمي لفتحي.
لكن أغلبها كان قديم.
فتحت أول جواب.
فتحي، أنا عارفة إني بطلب منك حاجة كبيرة.
لكن لو حصل لي حاجة، أوعدني إنك مش هتسيب صافي.
فتحت جواب تاني.
أنا مش خايفة على نفسي.
أنا خايفة عليها.
وفي جواب ثالث
أهم حاجة ما تخليهاش تحس إنها لوحدها.
كنت بقرأ وأنا بعيط.
لكن وسط الخطابات، لقيت ظرف أبيض مختلف.
كان عليه اسمي.
فتحته.
صافي، لو وصلتي هنا، يبقى أكيد عرفتِ عني حاجات كتير.
لكن لسه فيه حاجة واحدة فتحي ما قالهاش.
قلبي وقف لحظة.
كملت.
فتحي ما كانش الشخص الوحيد اللي وعدني يحميكي.
بصيت للورقة.
كان فيه شخص تاني.
تحت الجملة كان اسم
عماد.
اتجمدت.
عماد؟
مين عماد؟
قلبت الورقة.
عماد كان أخو فتحي الأصغر.
اتصدمت.
إيه؟
أنا طول عمري كنت فاكرة إن فتحي وحيد.
لكن الرسالة قالت
بعد وفاة فتحي، لو وصلتي للمكان ده، يبقى لازم تعرفي إن عماد اختفى من حياتنا قبل ما تتولدي.
مش لأنه تخلى عننا.
لكن لأنه اختار يبعد عشان يحمي فتحي وصافي.
حطيت الورقة على الترابيزة.
وفجأة سمعت صوت خبط على الباب.
اتخضيت.
قفلت الصندوق بسرعة.
مين؟
مفيش رد.
رجعت خطوة.
الخبط اتكرر.
أعلى.
مين؟
صوت رجل من بره
صافي؟
اتجمدت.
الصوت غريب.
لكن فيه حاجة مألوفة.
قربت من الباب.
إنت مين؟
قال
أنا الشخص اللي فتحي كان خايف إنك تعرفيه.
فتحت الباب شوية.
راجل كبير واقف قدامي.
كان شعره أبيض.
وشه مليان تجاعيد.
وفي عينه حاجة غريبة.
قال
أنا عماد.
حسيت إن الدنيا اتقلبت.
أخو فتحي؟
هز راسه.
أيوه.
إنت كنت فين؟
بص للأرض.
بعيد.
ليه؟
قال
لأن فتحي طلب مني أختفي.
ليه؟
سكت.
عشان يحميكي.
اتعصبت.
كل الناس بتقول نفس الكلام!
كل واحد فيكم كان بيحميني من إيه؟
عماد بصلي.
من الماضي.
ماضي مين؟
ماضي أمك.
سكت.
أمي؟
قال
أمك كانت عارفة إن حياتها مش هتطول.
وده مش جديد.
لكنها كانت عارفة كمان إن فيه حاجة لازم توصلك لما تكبري.
إيه؟
قال
الحقيقة عن أبوكي.
قلت
أنا عرفت إنه مات.
هز راسه.
مش كل الحقيقة.
قلبي بدأ يدق بعنف.
يعني إيه؟
دخل عماد الغرفة.
قفل الباب وراه.
أبوكي كان عنده أخ.
قلت
حمدي.
أيوه.
أنا قابلته.
ابتسم بحزن.
حمدي قالك اللي يعرفه.
وإنت تعرف أكتر؟
أيوه.
قعد.
لكن لازم تفهمي حاجة.
أبوكي قبل ما يموت، كان عارف إن فيه أوراق مهمة جدًا.
الأوراق دي تخصك.
وفتحي خبّاها.
بس ليه؟
قال
لأن أبوكي كان عايز كل حاجة توصلك من غير ما حد يستخدمها ضدك.
مين حد؟
سكت.
فيه شخص من العيلة كان شايف إنك مش من حقك تاخدي أي حاجة.
قلت
مين؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية وقفت بره المحطة.
عماد قام بسرعة.
بص من الشباك.
وشه اتغير.
لازم تمشي.
ليه؟
في حد عرف إنك هنا.
مين؟
قال
مش وقت الكلام.
أنا مش همشي قبل ما أفهم.
قرب مني وقال
هتفهمي.
بس لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، لازم تاخدي الصندوق ده.
بصيت للصندوق.
إيه اللي جواه؟
قال
كل اللي فتحي وأمك ما قدروش يقولوه.
حمل الصندوق.
مده لي.
خديه.
أخدته.
خرجنا من المخزن.
الممر كان فاضي.
لكن صوت خطوات بدأ يقرب.
عماد شد إيدي.
من هنا.
جرينا ناحية باب خلفي.
خرجنا لشارع جانبي.
كنت لسه بحاول أستوعب اللي حصل، لما عماد وقف فجأة.
قال
في حاجة لازم أقولها قبل ما نفترق.
بصيت له.
إيه؟
فتحي ما كانش عايزك تروحي للمخزن دلوقتي.
اتصدمت.
إزاي؟
الجواب اللي وصلك النهارده مش من فتحي.
سكت.
إيه؟
طلع ورقة من جيبه.
الخط ده مش خطه.
بصيت للورقة اللي كانت معايا.
قارنتها.
وفعلًا.
كان فيه اختلاف بسيط.




