
بصيت لابني. ابتسم بخجل. قالت: — حطهم على الترابيزة وقال لي: “دول أول مرتب ليا.” دموعي زادت. — قلت له ياخدهم ويمشي. ابني قال: — وهي طردتني فعلًا. الست ابتسمت لأول مرة. — رجع الأسبوع اللي بعده. ثم اللي بعده. وكل مرة كنت أقوله: “إنت طفل، روح اشتري لنفسك حاجة.” وهو يرد: “بابا ماعرفش يكمل… وأنا هكمل مكانه.” بصيت لابني. وقتها ماقدرتش أتمالك نفسي. قمت وح.ضنته. — يا حبيبي… ليه شلت ده كله لوحدك؟
عيط في ح.ضني. — عشان إنتِ كنتِ بتعيطي كل ما نجيب سيرة بابا. — فخفت تزود وجعي؟ هز راسه. — وفكرت لو عرفتِ إنه كان مخبي عنك كل ده هتزعلي منه. بعدته عني ومسكت وشه. — أنا زعلانة منه فعلًا. وشه اتغير. قلت: — زعلانة إنه افتكر إن لازم يشيل ذنبه لوحده… زي ما إنت عملت بالضبط. ح.ضنته تاني. لكن الست قالت: — فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. بصيت لها.
مدت لي كيس قماش صغير. — جوزك جابهولي قبل وفاته بأسبوع. فتحته. جواه مبلغ بسيط، ومفتاح. قلت: — مفتاح إيه؟ قالت: — معرفش. — ومقالكيش؟ — قال لي بس جملة واحدة. سكتت. وبعدين قالت: — “لو ابني جه يومًا يساعدكم… اديه المفتاح.” بصيت لابني. هو اتجمد. — أنا؟ الست مدت له المفتاح. — أبوك كان عارف إنك ممكن تيجي. ابني أخده. ولاحظنا إن عليه رقم صغير. رجعنا البيت في الليلة دي وإحنا مش فاهمين المفتاح بيفتح إيه.
لحد ما ابني دخل أوضة أبوه. وبعد دقايق ناداني: — ماما! جريت له. كان راكع قدام الدولاب القديم. في الأرضية الخشب، تحت صندوق الأدوات… كان فيه قفل صغير مخفي. الرقم المكتوب عليه… هو نفس الرقم اللي على المفتاح. حط ابني المفتاح. لفه. واتفتح جزء صغير من أرضية الدولاب. جواه صندوق معدني. فتحناه. أنا كنت متوقعة فلوس. لكن ماكانش فيه ولا جنيه. كان فيه ملف. وصور. وخطابات. وفوقهم ظرف مكتوب عليه:
“لابني… لما يبقى كبير كفاية إنه يعرف معنى الرجولة بجد.” ابني بصلي. قلت له: — افتحه. فتح الظرف. قرأ أول سطر… وبدأ يعيط. مد لي الورقة. وقريت: “يا ابني… لو وصلت للرسالة دي لأنك حاولت تكمل اللي أنا بدأته، فأنا فخور بيك. لكن لو كنت حرمت نفسك عشان تساعد غيرك… يبقى إنت فهمتني غلط.” بصيت لابني. وكملنا القراءة: “الرجولة مش إنك تشيل الدنيا لوحدك. ولا إنك تخبي وجعك عن اللي بيحبوك.
ساعد الناس… بس اسمح لأهلك يساعدوك أنت كمان.” ابني انهار في ح.ضني. وفي آخر الرسالة كان أبوه كاتب: “وعندي ليك حاجة كنت بدأت أحوش لها قبل ما أمو.ت. مش عارف هتكون لسه بتحبها وقت ما تقرأ الرسالة ولا لأ.” تحت الرسالة كان فيه إيصال قديم. لمحل عجل. ومكتوب عليه: “دفعة مقدمة لعجلة ابني.” بصيت له. هو بصلي. وفجأة ضحك وسط دموعه. وقال: — يعني بابا كان بيحوشلي على عجلة برضه؟
ضحكت وأنا بعيط. لكن لما قلبنا الإيصال… لقينا وراه عنوان. وكلمتين بخط أبوه: “الباقي عند شخص وعدني إنه يستناك.” وماكناش نعرف إن الشخص ده… كان مستنينا فعلًا من 3 سنين. يتبع “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
الفصل الخامس — الراجل اللي كان مستنيه تاني يوم الصبح، صحيت على صوت ابني وهو بيخبط على باب أوضتي. — ماما… هنروح؟ فتحت عيني. كان واقف قدامي لابس نفس الجاكت القديم، وماسك الإيصال والمفتاح في إيده. قلت: — للعنوان؟ هز راسه. — أنا ما نمتش طول الليل. بصيت له. الحقيقة إني أنا كمان ما نمتش. كل شوية كنت أفتكر جوزي. رسالته. كلامه. والسنين اللي عاشها شايل إحساس بالذنب من غير ما يقولي.
لبست ونزلنا. العنوان كان في شارع قديم بعيد شوية عن منطقتنا. فضلنا ماشيين لحد ما وقفنا قدام محل صغير لتصليح وبيع العجل. اليافطة باهتة. والواجهة شكلها من زمن. بص ابني للإيصال. — هو ده. دخلنا. جرس صغير رن فوق الباب. طلع لنا راجل كبير من جوه الورشة. شعره أبيض. ولابس مريلة مليانة شحم. قال: — أقدر أساعدكم؟ طلعت الإيصال. أول ما شافه… وشه اتغير. بصلي. وبعدين بص لابني. سأل: — إنت ابن صاحب الإيصال ده؟
ابني قال: — أيوه. الراجل ساب الأداة اللي في إيده. وقرب منه. فضل باصص له كام ثانية. وبعدين قال: — يا سبحان الله… ومسح عينه بسرعة. قلت: — حضرتك كنت تعرف جوزي؟ قال: — كان صاحبي. قلبي اتقبض. الراجل اللي مات وهو بينقذه كان صاحبه. وده كمان صاحبه. حسيت إن جوزي كان عنده عالم كامل عمره ما حكاهولي. الراجل قال: — استنيت اليوم ده 3 سنين. ابني سأله: — كنت مستنيني أنا؟



