
ما ارتحتش. قلت: — أمال مين؟ المدير سابنا لوحدنا. ابني قعد قدامي. وقال: — كملي الرسالة. فتحتها تاني. “أبو الأطفال دول كان صاحبي. وفي يوم، كان المفروض أنا اللي أكون موجود في مكانه. لكن هو راح بدالي. ومارجعش.” شهقت. كملت بسرعة. “فضلت طول عمري حاسس إن ولاده فقدوا أبوهم بسببي. كنت بساعدهم من بعيد، لأن أمهم كانت بترفض تاخد مني أي حاجة لما تعرف إنها مني. عشان كده كنت ببعت المساعدة من غير اسمي.”
رفعت راسي. ابني كان بيعيط. قلت: — وإنت عرفت مكانهم إزاي؟ — في الصندوق كان فيه عنوان قديم. — وروحت لوحدك؟ هز راسه. — أول مرة آه. حسيت بالغضب والخوف في نفس اللحظة. — وإنت عندك 13 سنة تروح تدور على عنوان قديم لوحدك؟! — كنت عايز أعرف بابا كان بيقصد مين. — ولقيتهم؟ سكت. ثم قال: — لقيت البيت مقفول. — وبعدين؟ — سألت الجيران. طلع إنهم مشيوا من فترة بعد ما أمهم خسرت شغلها.
فضلت أدور عليهم. — ست شهور؟ — تقريبًا. افتكرت الطين. والهدوم المقطوعة. والتأخير. قلت: — الأيام اللي كنت بترجع فيها متأخر… هز راسه. — كنت بروح لهم. — والطين؟ — المكان اللي عايشين فيه آخر طريق ترابي. غمضت عيني. ابني اللي كنت فاكرة إنه في شغله… كان بيركب مواصلات ويروح مكان معرفوش، عشان يوصل أكل لعيلة معرفهاش. قلت: — ليه ما قلتليش؟ قال: — لأني قريت آخر سطر. قلبي انقبض.
— آخر سطر إيه؟ مد إيده للورقة. قلبها على الناحية التانية. كان فيه سطر صغير مكتوب تحت خالص: “ولو مراتي عرفت الحقيقة يومًا… أتمنى تسامحني لأني ماقدرتش أحكيلها.” بصيت لابني. — حقيقة إيه؟ قال: — أنا معرفش. — الست دي تعرف؟ هز راسه. — أيوه. — وإنت سألتها؟ — كتير. — وقالتلك إيه؟ اتردد. — قالت إن الكلام ده لازم تسمعيه منها. وقفت. — يبقى هنروح لها دلوقتي. ابني مسك إيدي.
— ماما… — مفيش ماما. هنروح. البنت الصغيرة قالت من عند الباب: — ماما تعبانة النهارده. بصيت لها. — عندها إيه؟ قالت: — من امبارح مش قادرة تقوم. هنا كل غضبي اختفى. خدت الأكياس. وقلت: — وروني المكان. بعد حوالي نص ساعة وصلنا لبيت صغير جدًا في طرف منطقة قديمة. السقف متشقق. الباب الحديد صديان. ابني خبط. محدش رد. خبط تاني. البنت فتحت الباب بالمفتاح. دخلنا. ريحة دوا كانت مالية المكان.
لقيت ست نايمة على كنبة صغيرة. قربت منها. أول ما فتحت عينيها وشافتني… وشها اتغير. حاولت تقوم. — إنتِ؟ اتجمدت. هي فعلًا تعرفني. قلت: — إحنا اتقابلنا قبل كده؟ بصت لابني. وبعدين رجعت بصتلي. — جوزك كان دايمًا بيقول إن اليوم ده ممكن ييجي. قعدت قدامها. — أنا عايزة الحقيقة. قالت: — الحقيقة مش إن جوزك كان بيساعدنا. سكتت. وعينيها دمعت. — الحقيقة إن جوزي ما ماتش في حادث عادي.
ابني قرب مني. قلت: — يعني إيه؟ ردت: — جوزي مات وهو بينقذ جوزك. صمتت ثواني. وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة: — لكن ده مش السر اللي جوزك خاف يقولهولك. نفسها اضطرب. ومدت إيدها تحت المخدة. طلعت ظرف قديم. وقالت: — السر الحقيقي موجود هنا. بصيت للظرف. كان مكتوب عليه اسمي. الفصل الرابع — السر اللي غير نظرتي لكل حاجة مسكت الظرف. ما فتحتهوش فورًا. كنت خايفة. خايفة أكتشف إن صورة الراجل اللي عشت معاه سنين مش زي ما أنا فاكرة.
الست قالت: — افتحيه. فتحت. جواه تقرير قديم. وصورة عربية متحطمة. وورقة مكتوبة بخط جوزي. بدأت أقرأ. “أنا فضلت سنين أقول لنفسي إن اللي حصل قضاء وقدر وبس. لكن الحقيقة إن أنا غلطت. والغلط ده خلّى صاحبي يدفع تمن ماكانش لازم يدفعه.” قعدت. رجلي ما بقيتش شايلاني. الرسالة كملت: “يوم الحادث، أنا اللي أصريت نكمل الطريق رغم إن الجو كان سيئ. هو قال لي نستنى. وأنا رفضت. بعدها العربية فقدت السيطرة.
ولما وقفنا، أنا كنت محشور. وهو قدر يخرج. كان ممكن يهرب وينجو. لكنه رجع عشان يطلعني. طلعني فعلًا. لكن هو ما لحقش يخرج المرة التانية.” دموعي نزلت على الورقة. دلوقتي فهمت. جوزي عاش تلات سنين بعد الحادث وهو شايل إحساس بالذنب. وعشان كده كان بيبعت للعيلة دي فلوس من غير ما يقول. الست قالت: — جوزك ما ق.تلش جوزي. بصيت لها. قالت: — دي أول حاجة لازم تعرفيها. — بس هو كان شايف نفسه السبب.
— أيوه. نزلت عينيها. — وأنا كنت غضبانة منه في الأول. سألتها: — عشان كده كنتِ بترفضي مساعدته؟ — عشان كل جنيه كان بيفكرني بجوزي. سكتت. — لكن بعدها فهمت إن جوزك نفسه كان بيعاقب نفسه. ابني كان واقف بعيد وبيسمع. قلت: — ولما باباه مات؟ الست بصتله. — المساعدة وقفت. ابني قال: — عشان كده لما لقيت الرسالة… أشارت له الست. — الولد ده جه عندي أول مرة ومعاه عشرين جنيه بس.




