
الكاتبة أسما السيد الفصل الثاني — الحقيقة اللي كانت ورا باب المطبخ وقعت على الكرسي وأنا ببص قدامي ومش قادرة أفهم. ابني كان واقف في آخر المطعم. مريلة الشغل بتاعته عليها مية وصابون، ووشه محمر من العياط. لكن الغريب… إنه ماكانش لوحده. قدامه كانت واقفة بنت صغيرة، يمكن عندها سبع أو تمن سنين، ماسكة كيس أكل كبير. وجنبها ولد أصغر منها. هدوم الاتنين كانت بسيطة جدًا. والولد الصغير كان ماسك جاكت واضح إنه أكبر منه بكذا مقاس.
بصيت لمدير المطعم. — مين دول؟ ابني جري ناحيتي. — ماما… أنا أشرح لك. وقفت بسرعة. — تشرحلي إيه؟! بصيت للمدير. — حضرتك قلتلي إنه بيكدب عليا بخصوص مرتبه. الفلوس فين؟ المدير أشار ناحية باب المخزن. — تعالي شوفي بنفسك. دخلت وراه. ولقيت فوق ترابيزة صغيرة أكياس كتير. رز. مكرونة. لبن. معلبات. كراسات مدرسية. وجزمة أطفال جديدة. وفي جنبهم ظرف المرتب بتاع ابني. مفتوح. وفاضي. بصيت له. — إيه ده؟
المدير قال: — ده اللي ابنك بيعمله كل أسبوع. ابني نزل عينه. المدير كمل: — أول ما ياخد مرتبه، بيصرف جزء كبير منه على الأكل والحاجات دي. قلت وأنا مش فاهمة: — لمين؟ أشار للبنت والولد. — ليهم… ولأمهم. لفيت لابني. — إنت تعرفهم منين؟ سكت. — رد عليا! قال بصوت واطي: — من حوالي ست شهور. — وبتصرف عليهم ليه؟ عينيه اتمَلوا دموع. — عشان محتاجين. اتعصبت. مش منه لأنه ساعدهم…
لكن لأنه كان شايل حاجة بالحجم ده لوحده. قلت: — وإنت طفل يا ابني! مين قالك تشيل مسؤولية بيت كامل؟! قال بسرعة: — أنا مش بشيل بيت كامل. المدير بصله بعتاب. — بلاش تكمل كدب. ابني لف له: — حضرتك وعدتني! — وعدتك قبل ما أشوفك النهارده بتحاول تديهم آخر جنيه معاك. بصيت لابني. — إيه اللي حصل النهارده؟ المدير قال: — أم الأطفال ماقدرتش تدفع إيجار المكان اللي قاعدين فيه. وابنك حاول ياخد السلفة اللي كان بيحوشها هنا ويديها لهم.
قلبي وقف لحظة. — سلفة إيه؟ المدير فتح درج. طلع ظرف بني. وحطه قدامي. — الفلوس اللي حضرتك شفتيه بيعدها في أوضته مش كلها بتاعته. ابني رفع عينه بسرعة. — عمو، أرجوك! فتحت الظرف. جواه مبلغ أكبر بكتير من مرتب طفل بيشتغل يوم واحد في الأسبوع. قلت: — الفلوس دي منين؟ المدير رد: — بقينا كلنا بنساعده. — كلنا مين؟ — أنا، والجرسون، والطباخ، وحتى بعض الزباين اللي عرفوا. حسيت بصدري يضيق.
ابني كان عامل حملة كاملة من ورايا. لكن سؤال واحد فضل جوايا. — ليه العيلة دي بالذات؟ الولد الصغير اللي كان واقف عند الباب بص لابني وقال بعفوية: — عشان باباه قال له ما يسبناش. الدنيا سكتت. بصيت للولد. وبعدين لابني. قلت: — باباه مين؟ ابني وشه شحب. جريت عليه ومسكت كتفه. — إنت كنت بتتكلم مع أبوك قبل ما يمو.ت عن الناس دي؟ قال: — لأ. — أمال الولد بيقول إيه؟
الطفلة الكبيرة شدت أخوها من إيده. — اسكت. لكن كان فات الأوان. بصيت لها. — قوليلي يا حبيبتي… إنتِ تعرفي أبو ابني؟ البنت رفعت عينيها ليا وقالت: — أنا معرفوش. وسكتت لحظة. — بس ماما تعرفه. قلبي بدأ يدق بعنف. قلت: — أمكم فين؟ ابني دخل بسرعة: — ماما، مش لازم نروح. بصيت له. — ليه؟ — لأنها مش عايزة تشوفك. الجملة خلتني أتجمد. — هي تعرفني؟ ابني ما ردش.
قربت منه. — مين الست دي؟ دموعه نزلت. وقال: — أنا كنت هقولك… بس كنت خايف. — خايف من إيه؟ بصلي وقال: — خايف تكرهي بابا. ما حسيتش بنفسي غير وأنا ماسكة طرف الترابيزة. قلت: — أبوك عمل إيه؟ ابني فتح شنطته. طلع منها ورقة قديمة مطوية كذا مرة. وحطها قدامي. عرفت الخط قبل ما أفتحها. خط جوزي. جوزي اللي مات من 3 سنين. والمكتوب على أول الورقة كان: “لو حصل لي حاجة… العيلة دي أمانة في رقبتي.”
يتبع “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” الفصل الثالث — الورقة اللي سابها أبوه إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة. الحروف كانت باهتة شوية. لكن خطه… مستحيل أغلط فيه. بدأت أقرأ: “لو بتقرأ الكلام ده، يبقى يمكن أنا ماقدرتش أصلح الحاجة اللي فضلت سنين بحاول أصلحها.” وقفت. بصيت لابني. — لقيت الورقة دي فين؟ قال: — في صندوق بابا القديم.
— إمتى؟ — من سبع شهور. رجعت للورقة. كان كاتب: “في عيلة لازم تفضل واقفة على رجليها، حتى لو أنا مش موجود.” نفسي بقى تقيل. وكل الاحتمالات الوحشة بدأت تدخل دماغي. هل كان جوزي مخبي عليا حياة تانية؟ هل الأطفال دول… قفلت الورقة بسرعة. ابني فهم أنا بفكر في إيه. قال فورًا: — لأ يا ماما. بصيت له. — إنت عرفت أنا بفكر في إيه؟ — هما مش أولاد بابا.




