روايات

المطعم

وفي يوم الافتتاح، وقفت ملك قدام مجموعة كبيرة من البنات وقالت
أنا كنت فاكرة إن حياتي كلها شغل وتعب وخوف من بكرة. لكن اكتشفت إن أوقات أصغر لحظة حنية ممكن تفتح باب لحياة كاملة.
وسط التصفيق، ظهر آدم عند المدخل.
كان شايل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قرب منها وقال فيه حاجة أبويا كان عايزك تشوفيها.
فتحت الصندوق، ولقت طوق الكلب القديم، وعليه قطعة معدنية صغيرة مكتوب عليها
لمن أنقذتنا يومًا، تظل أبوابنا مفتوحة.
ملك ابتسمت والدموع في عينيها.
هو كان عارف إني هاجي؟
آدم رد كان بيتمنى.

بعد الافتتاح بأسبوعين، حصلت مفاجأة تانية.
ملك كانت قاعدة في حديقة الفيلا، وأورايون نايم جنب رجليها، لما آدم خرج وقعد على الكرسي المقابل.
قال لها فيه سؤال بقالي فترة عايز أسألهولك.
رفعت حاجبها خير؟
ابتسم.
إنتِ ليه لحد دلوقتي بتعاملي أورايون كأنه كلب عادي، مع إنه لو بص لحد من رجالي بالطريقة دي ممكن يقضي يومه كله مش عارف يتحرك؟
ضحكت ملك.
عشان هو فعلًا كلب عادي. محتاج أكل وحنية وفسحة، مش أكتر. وإنت محتاج تتعلم إن مش كل الناس لازم تخاف منك.
آدم ضحك وقال طب ولو قلتلك إني عايز أتعلم؟

ملك بصت له باستغراب.
تتعلم إيه؟
سكت لحظة، وبعدين قال بجدية
إني أعيش حياة طبيعية. من غير حراسة في كل خطوة، ومن غير ما كل الناس تخاف وهي بتتكلم معايا. وإني أكون مع واحدة مش شايفاني بسبب اسمي أو فلوسي.
ملك فضلت ساكتة.
آدم كمل أنا مش هطلب منك تحبيني عشان أنا ساعدتك، ولا عشان أبويا كان يعرف أمك. بس لو فيه فرصة نتعرف على بعض بعيد عن كل اللي حصل، أنا عايزها.
ملك بصت لأورايون، اللي كان فاتح عين واحدة وكأنه بيتابع الحوار.
وبعدين قالت بابتسامة ممكن نبدأ بحاجة بسيطة.

آدم سأل إيه هي؟
قالت تخرج أورايون يتمشى من غير ما تبعت عشرة حراس وراه.
ضحك آدم من قلبه لأول مرة.
اتفقنا.
مرت سنة كاملة.
قضية فؤاد انتهت بإدانته بعد ظهور الأدلة والشهادات، واستردت أسر الضحايا جزءًا كبيرًا من حقوقها.
أما آدم، فبدأ يبعد نفسه تدريجيًا عن الأنشطة المشبوهة اللي ورثها، وأعاد هيكلة شركاته تحت رقابة قانونية، وقرر إنه مش هيكرر أخطاء أبوه ولا هيسمح لحد يستخدم اسم العيلة لتخويف الناس.
وعلى المستوى الشخصي، بقت علاقته
لك أقوى يوم بعد يوم.
ما كانش فيه حب من أول نظرة، ولا وعود خيالية.

كان فيه مواقف صغيرة، واهتمام، واحترام، واختلافات كانوا بيتعلموا يحلوها مع بعض.
وفي يوم افتتاح الفرع التاني لمركز ملك، وقف آدم قدامها وسط الحضور، وقدم لها خاتمًا بسيطًا.
قال أنا عارف إن حياتي مش سهلة، وإن الماضي بتاعي مليان حاجات مش هقدر أغيرها. لكن أوعدك إني مش هخليكي تدفعي تمن أي حاجة ما اخترتيهاش.
ملك عينيها دمعت.
وأنا مش عايزة منك تكون شخص تاني. أنا عايزاك تختار كل يوم تكون أحسن من امبارح.
ابتسم وسألها يعني موافقة؟
ضحكت موافقة.
بعد شهور، اتجوزوا في حديقة الفيلا، وسط أجواء بسيطة، من غير استعراض ولا مظاهر سلطة.

أورايون كان قاعد جنب ملك طول الحفل، وعلى رقبته شريطة سوداء صغيرة.
وفي نهاية اليوم، لما الضيوف مشيوا، ملك قعدت على الأرض جنبه وحطت إيديها على راسه.
قالت له فاكر أول مرة شوفتك في المطعم؟
آدم، اللي كان واقف وراها، رد أنا فاكر. وكنت وقتها فاكر إنك ارتكبتي أكبر غلطة في حياتك.
ملك ضحكت وأنا كنت فاكرة إني بطبطب على كلب جعان حنية!
آدم قرب منها وقال طلع هو اللي كان بيدور عليكي.
ملك بصت للكلب، وبعدها لآدم.
يمكن عشان الحنية بتوصل حتى للأماكن اللي الخوف قافل أبوابها.

وفي اللحظة دي، أورايون حط راسه على ركبتها وغمض عينيه.
لكن قبل ما ملك تقوم، آدم فتح درجًا صغيرًا في الطاولة وطلع صورة قديمة لوالدتها مع والده.
على ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بخط محمود
إلى سعاد… لو لم أستطع أن أرد لكِ جميلك، أتمنى أن يأتي يوم تلتقي فيه ابنتك بمن يمنحها الأمان الذي تستحقه.
ملك فضلت تبص للجملة، والدموع بتنزل على خدها.
همست ماما كانت عايزة ليّ حياة أحسن.
آدم مسك إيديها وقال وأنا هفضل أعمل كل اللي أقدر عليه عشان تكون حياتك أحسن.
وبعد خمس سنين…

كان مركز ملك بقى مؤسسة كبيرة بتساعد مئات البنات كل سنة، وآدم نجح في تحويل الجزء الأكبر من أعماله إلى شركات قانونية معلنة.
أما أورايون، فكان كبر في السن، وبقى أهدى من زمان، لكنه احتفظ بعادته المفضلة النوم جنب ملك كل ليلة.
وفي صباح يوم هادي، دخلت ملك الحديقة ومعاها طفلة صغيرة عندها أربع سنين.
كانت بنتها ليلى.
جريت الطفلة ناحية أورايون، وحضنته من رقبته.
ملك ابتسمت وهي بتقول براحة يا ليلى، ده جدك أورايون!
آدم كان واقف عند الباب، وابتسم لما شاف المشهد.
قال عارفة؟

ساعات بفكر إن كل اللي حصل بدأ من لمسة صغيرة في مطعم.
ملك ردت لأ. بدأ من إن فيه كائن كان محتاج الحنية، وفيه بنت ما كانتش خايفة تديهاله.
آدم قرب منها وحضنها.
وفي نفس اللحظة، أورايون رفع رأسه وبص لملك نظرة هادية، قبل ما يرجع يحط رأسه على الأرض.
بعد أيام قليلة، مـ,ـات أورايون بهدوء بسبب كبر سنه، وهو محاط بملك وآدم وليلى.
دفـ,ـنوه في حديقة الفيلا، تحت شجرة كبيرة، ووضعوا على قبره لوحة صغيرة كُتب عليها
هنا يرقد أورايون…

الكلب الذي لم يختر أقوى رجل في القاهرة، بل اختار أكثر قلب كان محتاجًا للحب.
وقفت ملك قدام القبر، وحطت وردة بيضاء.
ما بكتش عشان فقدت كلبًا فقط، لكنها كانت بتودع أول كائن قادها إلى عائلة لم تكن تعرف أنها موجودة، وإلى حياة لم تكن تتخيل يومًا إنها ممكن تعيشها.
ومن يومها، كل ما حد يسألها إزاي اتعرفت على آدم المنشاوي، تبتسم وتقول
أنا ما اتعرفتش عليه في الحقيقة… أنا اتعرفت على كلبه الأول. وهو اللي قرر إننا لازم نتقابل.
النهاية.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى