
سيبك منى أنا، خلاص تعبت من الحكاية دى… ها قولى بقى، أنا سمعت إنك اتخرجت… أولاً ألف مبروك، ثانياً ناوى تعمل إيه بعد التخرج؟ هتكمل فى المكتب ولا هتستنى حلمك الكبير؟ كاد فارس أن يتحدث، ولكن الإمام أقام الصلاة، فوقفا فى الصف وكبرا ليدخلا فى الصلاة. بعد انتهاء الصلاة، جلس كل منهما يتلو الأذكار، ثم خرجا سوياً من المسجد. أخذ فارس ينظر إلى الشيخ بلال بحب وهو يقول: والله أنا مش مصدق إنى شوفتك تانى يا بلال… ده أنت واحشنى جداً والله. قال بلال مداعباً: وأنت والله يا فارس… ها يا عم، مش هتبقى وكيل نيابة بقى علشان تبقى تحقق معايا؟
أهو بدل الغريب برضه. لم يستطع فارس أن يضحك أو حتى يبتسم، وهو يقول: أنا لو ربنا كرمنى، عمرى ما هبقى ظالم زى اللى بيحققوا معاك ومع غيرك يا بلال. بلال: يبقى أنت لسه على عهدك يا فارس وبتحلم بالنيابة… قولى بقى، شغال مع الأستاذ حمدى ولا سبته؟ فارس: لا، لسه طبعاً شغال معاه، وفى نفس الوقت هستنى التعيينات، وربنا يكتبلى اللى فيه الخير يا بلال… ادعيلى أنت بس. وقف بلال والتفت إلى فارس، ووضع يده على كتفه قائلاً بهدوء: ربنا يكتبلك اللى فيه خير ليك يا فارس، سواء فى دنيتك أو آخرتك…
اسعى واجتهد واحلم، بس لو محصلش نصيب، افتكر دايماً إن الله سبحانه وتعالى لا يأخذ منك إلا ليعطيك… افتكر دايماً الكلام ده. أومأ فارس برأسه وهو يقول بابتسامة: والله واحشنى كلامك يا بلال. كانا قد اقتربا من منزل فارس كثيراً وهما يتحدثان ويتذكران أيامهما السابقة، بينما وقف العم عامر على باب ورشته ينظر إليهما فى ترقب، وهو يقول: مين اللى مع الأستاذ فارس ده؟ خرج من ورشته واقترب منهما، وتفحص بلال، ثم وقف على مقربة منهما ونادى فارس قائلاً: أستاذ فارس… أستاذ فارس. التفت له فارس بابتسامة، فقال عامر: تعالى لحظة بس. قال بلال وهو يصافح فارس:
طب أسيبك أنا بقى يا فارس وأشوفك بعدين. أوقفه فارس بلهفة قائلاً: لا والله، لازم تطلع معايا ونشرب الشاى مع بعض… ثوانى أشوف عم عامر وأرجعلك. توجه فارس إلى عامر ووقف أمامه قائلاً: خير يا عم عامر؟ فى حاجة ولا إيه؟ قال عامر بقلق: مين ده يا بنى؟ فارس بابتسامة: ده صاحبى من زمان، بس كان مسافر. تابع عامر بنفس القلق: تعرفه كويس يعنى؟ فارس: آه طبعاً، بقولك صاحبى من زمان، بس مكنش بيجى الشارع هنا كتير… كنا بنتقابل فى المسجد. لاحظ بلال نظرات القلق فى عينى عامر، فنظر له وابتسم ابتسامة ودودة.
وبرد فعل تلقائى، وجد عامر نفسه يبتسم هو الآخر بدون سبب واضح من وجهة نظره، وقال لفارس: شكله طيب صاحبك ده. ضحك فارس وهو يربت على كتف عامر قائلاً: وأنت كمان طيب يا عم عامر. والتفت إلى بلال وناداه: شيخ بلال. اقترب بلال منهما محتفظاً بابتسامته، فقال فارس: عم عامر بيسأل عليك يا بلال، أصله عم عامر ده بقى زى شيخ الحارة كده، لازم يعرف اللى داخل واللى خارج. أومأ بلال برأسه قائلاً: طبعاً عارفه من زمان يا فارس. أنا آه مكنتش باجى كتير، بس أنا مبنساش الوشوش بسرعة، وخصوصاً وشوش الناس الطيبة. ومد يده ليصافحه…
صافحه عامر بود، وقد زال قلقه بسرعة، وقال: تعالوا بقى اشربوا معايا الشاى. فارس بسرعة: لا، الشاى ده عندى المرة دى… إن شاء الله هنبقى نعدى عليك بعدين يا عم عامر. بحث بلال فى جيبه عن شىء ما، ووجده أخيراً… أخرج من جيبه زجاجة عطر صغيرة، وقبل أن ينصرف مد يده بها إلى عامر قائلاً: اتفضل يا عم عامر، دى هدية بسيطة كده. نظر لها عامر بدهشة قائلاً: إيه ده؟ ريحة؟ ابتسم فارس قائلاً: ده اسمه مسك يا عم عامر، وحلو أوى، هيعجبك. قال عامر وهو يتفحص بلال: بس بمناسبة إيه ده؟ قال بلال بهدوء وعينان يشعان صدقاً:
بمناسبة إنى اتعرفت على راجل طيب زيك يا عم عامر، وبعدين الرسول عليه الصلاة والسلام قال: تهادوا تحابوا… وأنا نفسى تحبنى زى فارس كده. ابتسم عامر وهو يتناول زجاجة المسك من بلال قائلاً: متشكر يا بنى، ربنا يحميك لشبابك… هديتك مقبولة. طرق فارس باب شقته، ففتحت والدته وهى تقول: بتخبط ليه؟ ما أنت معاك مفتاح يا فارس. فارس: معايا واحد صاحبى يا ماما. وضعت والدته حجابها على شعرها وهى تقول ببساطة: أهلاً وسهلاً يا بنى، اتفضل. تنحنح بلال وهو يغض بصره قائلاً: أهلاً بيكى يا حاجة، معلش أزعجناكى. أفسحت الطريق وهى تقول بابتسامة طيبة: لا يا بنى، البيت بيتك… اتفضلوا.
أخذه فارس إلى غرفته وأغلق الباب خلفه، وجلس أمامه مبتسماً وهو يقول: والله زمان يا بلال… ها احكيلى بقى. تنهد بلال وقال: أحكيلك إيه بس؟ ربنا ما يكتبها عليك ولا على حد أبداً… سيبك منى، احكيلى أنت وصلت لحد فين فى الدنيا؟ بدت علامات التوتر على فارس، وكأنه يبحث عن بداية مناسبة لحديثه ويختارها بعناية، وبدأ يقص على بلال ما يشعر به قائلاً: مش عارف يا بلال، من ساعة ما اتخرجت لحد دلوقتى فى حلمين مش متأكد إنهم هيتحققوا… النيابة ودنيا. رفع بلال حاجبيه باهتمام وقال: طب النيابة وعرفناها… مين دنيا؟ قال فارس بحرج:



