روايات

بقية الوصيه

رفعت عيني ناحية البنتين.
— يعني أمكم ما سابتكمش بس؟
سلمى هزت راسها.
— لأ يا تيتة.
ليلى كملت:
— هي خدت فلوسنا قبل ما تمشي.
وقبل ما أستوعب الصدمة، سلمى قالت جملة خلت الدـ,ـم يبرد في عروقي:
— والمشكلة إننا عرفنا هي رجعت دلوقتي ليه.
— ليه؟
بصت البنتين لبعض.
وقالت ليلى:
— لأنها محتاجة توقيعنا على أوراق تخص الميراث القديم.

الفصل الثاني — الاعتراف
القاعة كلها كانت ساكتة.
أم البنتين واقفة قدامنا، ووشها اتغير تمامًا.
من شوية كانت داخلة بثقة، شايفة إن مجرد ظهورها بعد عشرين سنة كفاية يخلي بنتيها يجروا عليها.
لكن دلوقتي…
كانت محاصرة بالأسئلة.
زوجها الحالي حط الورق على الترابيزة وقال لها:
— أنا مستني تفسير لده كله. بصت له، وبعدين بصت للبنتين.
وقالت بعصبية:
— أنتم مش فاهمين اللي حصل زمان.
ليلى ردت:
— إحنا مستعدين نفهم.
سلمى أضافت:
— قولي الحقيقة.

أمهم سكتت ثواني.
وبعدين قعدت على الكرسي.
لأول مرة، نبرة صوتها اتهدت.
— أبوكم… كان بيحبكم جدًا.
قلبي وجعني أول ما سمعت الجملة.
قالت:
— بس بعد ما اتولدتوا، حياتنا اتغيرت. كل حاجة بقت مسؤوليات ومصاريف وضغط.
سلمى بصت لها ببرود.
— كل الناس اللي عندها أطفال عندها مسؤوليات.
قالت بسرعة:
— أنا كنت صغيرة وماحسيتش بحجم المسؤولية.
ليلى سألتها:
— كنتِ أمنا، وده مش مبرر.

سكتت.
وبعدين قالت:
— بعد وفـ,ـاة أبوكم، حسيت إني محاصرة ومش قادرة أكمل بالطريقة دي. كنت شايفة إن الحياة ممكن تكون أسهل لو مشيت.
أنا مقدرتش أسكت.
قلت لها:
— فسبتيهم للبنتين ولعذاب الوحدة؟
بصت لي.
— كنت فاكرة إنك هتقدري تكملي معاهم.
ضحكت من الصدمة.
— يعني كنتِ مخططة لكل ده؟
نزلت عينها في الأرض.
وده كان كفاية كإجابة.

قلت:
— يوم ما جيتي وقلتيلي “خلي بالك منهم كام ساعة”… إنتِ أصلًا ماكنتيش ناوية ترجعي؟
ما ردتش.
ليلى قربت خطوة.
— وفلوسنا؟
أمهم رفعت رأسها بسرعة.
— كنت محتاجاها عشان أبدأ حياتي.
سلمى قالت:
— فلوس أطفال رضّع؟
— كنت صغيرة وتايهة.

زوجها الحالي رجع خطوة لورا.
بص لها كأنه شايفها لأول مرة.
— إنتي قلتيلي زمان إن طليقك مـ,ـات وسابك من غير حاجة، وإن أهله أخدوا البنات منك وغصبوا عليكِ تسيبيهم!
صرخت:
— كنت عايزك تفهم الوضع بطريقتي!
رد بجمود:
— كنتِ تديني الحقيقة.
الهدوء اللي قال بيه الكلمة كان أقسى من الصراخ.
حاولت تقرب منه، لكنه أبعد إيده.
— ما تلمسينيش دلوقتي.

البنتين فضلوا واقفين ثابتين.
ولا واحدة فيهم بكت، لأنهم بكوا كفاية وهم صغيرين.
قالت ليلى:
— وإنتِ رجعتي دلوقتي ليه فعلًا؟
الأم سكتت.
سلمى قالت:
— عشان الصفقة والأرض القديمة؟
تنهدت باستسلام.
وبعدين قالت:
— أيوه.
كانت الكلمة قصيرة، لكنها وقعت علينا زي الصاعقة.

قالت:
— زوجي دخل في مشروع جديد، وبعد ما عرفنا إن فيه حقوق مالية باسم أبوكم وانتقلت ليكم، طلب مني أتواصل معاكو عشان نقدر نحل الموضوع قانونياً.
ليلى ضحكت بمرارة.
— “نتواصل” بالشكل ده؟
قالت:
— أنا كنت ناوية أصلح كل حاجة بطريقتي.
سلمى سألت:
— قبل التوقيع ولا بعده؟
الأم ما ردتش.
وبكده… كانت جاوبت على كل حاجة.

الفصل الثالث — الرسالة اللي اتأخرت 21 سنة
عدّى تقريبًا شهر على عيد ميلاد البنتين الواحد والعشرين.
الحياة هديت نسبيًا.
سلمى كانت بدأت شغلها الجديد، وليلى كانت بتحضر لدراساتها العليا، وأنا بقيت أقضي أغلب وقتي في الجنينة الصغيرة اللي زرعنا فيها الياسمين.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتنا عدت. لكن في يوم، وأنا قاعدة بشرب الشاي، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت راجل كبير في السن، ماسك شنطة جلد قديمة.
قال:
— حضرتك والدة المرحوم أحمد؟
أول ما سمعت اسم ابني، قلبي اتقبض.
قلت:
— أيوه.
قال:
— أنا كنت محاميه الخاص من سنين.

دعيت الراجل يدخل، وقعد قدامي.
فضل ساكت شوية، وبعدين فتح الشنطة وطلع منها ظرف كبير، عليه اسم ابني بخط إيده.
قال:
— ابنك سلّمني الظرف ده قبل وفـ,ـاته بأيام معدودة.
اتجمدت في مكاني.
— قبل وفـ,ـاته؟
هز راسه بالإيجاب.
— وقال لي مايتفتحش إلا في ظرف واحد.
— إيه هو؟
بص لي وقال:
— لما بنته يوصلوا سن الواحد وعشرين.

حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
البنتين كان فاضل على عيد ميلادهم الواحد وعشرين أيام قليلة.
قلت له:
— طب ليه جيت دلوقتي بالظبط؟
قال:
— لأن فيه تطور قانوني حصل بخصوص ممتلكات قديمة، وخفت إن الإجراءات تبدأ قبل موعد فتح الظرف الرسمي. وفي اللحظة دي دخلت سلمى وليلى البيت.
وأول ما شافوا الظرف…
وشوشهم تغيرت.
قالت ليلى:
— ده خط بابا واكتُب بخط إيده.
المحامي هز راسه.
— صحيح.
سلمى مدت إيدها ناحية الظرف، لكن الراجل مسكه وقال بلطف:
— لسه شوية.
قالت بعصبية محبوسة:
— ليه؟
— لأن أبوكم كتب تعليمات صارمة.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى