
مبالغ ضخمة.
وتواريخ متزامنة مع الأيام التي اختفى فيها زوجي.
نظرت إليها بصدمة.
إنتِ كنتِ بتاخدي فلوس من فؤاد؟
بكت وقالت
أيوه
تراجعت.
ليه؟
مسحت دموعها وقالت
لأنه كان بيديني الفلوس عشان أراقب أولادك.
سكت الجميع.
ثم أضافت
لكنه ما كانش خايف منهم كلهم.
نظرت إليها.
كان خايف من واحد بس.
قلت
مين؟
أختي رفعت عيني ناحية ابني.
لكن قبل ما تتكلم
ابني قال
أنا.
ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة، ومدها لي.
أبويا كتبها قبل وفـ,ـاته.
أخذتها.
وكان مكتوبًا فيها
نوال، لو ابنك اعترف، لا تصدقي اعترافه كله لأن الحقيقة أسوأ مما تتخيلين.
رفعت عيني إلى ابني.
فقال بصوت مكسور
ماما أنا فعلًا أخفيت عنك حاجة.
إيه؟
اقترب مني.
ثم قال
أنا كنت آخر شخص شاف أبويا حيًا.
سكت لحظة.
وكنت أنا اللي سلمته للشخص اللي قـ,ـتله على الأقل ده اللي كنت فاكره.
اتسعت عيناي.
لكن قبل أن أستوعب كلامه، جاء صوت من خلف القبور
لا يا بني
تجمدنا جميعًا.
كان صوت رجل مسن.
ثم ظهر شخص من الظلام.
وعندما رأيته
سقطت مني الورقة.
لأن الرجل الذي يقف أمامنا كان يحمل ملامح زوجي
لكن ليس زوجي.
وكان أول شيء قاله
فؤاد ما مـ,ـاتش.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وأنا الوحيد اللي أعرف هو فين الرجل وقف أمامنا، وملامحه كانت قريبة بشكل مخيف من ملامح زوجي، لكن مع سنوات أكثر على وجهه.
قلت بصوت مرتجف
إنت مين؟
قال
اسمي عادل.
ثم نظر إلى ابني وقال
وأبوك طلب مني ما أظهرش قدامك غير لما أمك توصل للحقيقة.
ابني اقترب منه
أنت كنت معاه؟
عادل هز رأسه.
لآخر لحظة.
سألته
فؤاد حي؟
صمت طويل.
ثم قال
كان حيًا بعد الجنـ,ـازة.
شهقت.
وبعدها؟
نظر إلى الأرض.
هنا لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
أخرج من جيبه ملفًا صغيرًا، وقال
فؤاد اكتشف إن الشركة اتعرضت لعملية تلاعب كبيرة. أموال اختفت، عقود اتغيرت، وتوقيعات اتزوّرت.
قلت
مين عمل كده؟
قال
شخص قريب جدًا من العائلة.
نظرت إلى ابني.
ثم إلى أختي.
لكن عادل قال
مش ابنك.
شعرت بالارتباك.
أمال مين؟
فتح الملف.
كان بداخله كشف حساب قديم، وتحت عدة تحويلات توقيع واحد.
توقيع زوجي نفسه.
قلت
دي إمضته.
قال
أيوه.
يعني هو اللي سرق؟
هز رأسه
لا. هو كان بيعمل كده عشان يخفي حاجة أكبر.
قلب الصفحة.
ظهر اسم شركة لم أسمع به من قبل.
ثم قال
الشركة دي كانت بتشتري أسهم من شركتكم بشكل سري.
سألته
ومين مالكها؟
عادل لم يجب.
بدلًا من ذلك، أخرج صورة.
في الصورة كان زوجي يقف بجوار رجل آخر.
رفعت الصورة أمام عيني.
وتعرفت على الرجل فورًا.
كان طبيب زوجي.
الطبيب الذي أعلن وفـ,ـاته.
تراجعت خطوة.
هو؟
قال عادل
أيوه.
يعني الطبيب كان شريكًا؟
أكتر من شريك.
ثم نظر إلى ابني.
هو الشخص اللي ساعد فؤاد يختفي.
ابني صرخ
ليه؟
عادل قال
لأن فؤاد كان متأكد إن محاولة قتـ,ـله جاية من داخل بيته.
نظرت إلى ابني.
منك؟
هز رأسه بسرعة
لا يا أمي.
لكن عادل قال
مش منه.
ثم سكت لحظة.
من شخص ما خطرش على بالك أبدًا.
شعرت بالخوف.
مين؟
أخرج عادل آخر ورقة.
كانت عبارة عن صورة من وصية قديمة.
لكن المفاجأة لم تكن في الوصية.
كانت في الاسم المكتوب في آخر الصفحة.
اسمي أنا.
قلت
أنا؟
قال
أيوه.
إيه اللي أنا عملته؟
اقترب عادل وقال
فؤاد كتب كل شيء باسمك قبل وفـ,ـاته
ثم توقف.
لكن المشكلة إن حد زور توقيعك بعد مـ,ـوته وحاول ينقل الملكية كلها لشخص آخر.
سألت
لمين؟
رفع عادل عيني نحوي.
وقال
للشخص اللي رماكي في الطريق.
نظرت إلى ابني.
لكن ابني كان شاحبًا.
أنا ما عملتش كده.
عادل رد
عارف.
ثم أضاف
لأن اللي وقع الأوراق باسمك
مد الورقة نحوي.
كانت أختك.
ساد الصمت.
نظرت إلى أختي.
كانت تبكي.
قلت
قولي إن ده مش حقيقي.
لكنها لم تجب.
ثم قالت بصوت مكسور
أنا ما كنتش عايزة أعمل كده.
قلت
أمال ليه عملتيه؟
رفعت عيني نحوي.
لأن فؤاد هو اللي طلب مني.
تجمد الجميع.
قالت
كان عارف إنك لو عرفتِ الحقيقة، هتروحي تدوري عليه بنفسك.
ثم أخرجت ورقة من حقيبتها.
ودي آخر رسالة منه.
فتحتها.
وكان أول سطر فيها
نوال لو أختك قالت لك إنني طلبت منها تزوير توقيعك، صدقيها.
لكن تحت السطر مباشرة كانت جملة أخرى
لأن الشخص الذي سيقتـ,ـلني ليس ابني ولا أخي ولا طبيبي.
رفعت عيني.
وتحتها كان اسم واحد.
اسم لم أتوقعه أبدًا.
اسمي أنا وقفت أحدق في اسمي المكتوب على الورقة، وشعرت أن كل شيء حولي يدور.
قلت
اسمي أنا؟! يعني إيه إن أنا اللي هقـ,ـتلك يا فؤاد؟
عادل أخذ الورقة مني وقال
اقلبيها.
قلبتها.
وكان خلفها سطر واحد
نوال، لا تخافي. أنا لم أقصد أنك ستقـ,ـتلينني بل أنك الوحيدة القادرة على كشف من فعل.
أخذت نفسًا طويلًا.
وفجأة بدأت كل القطع تتجمع.
الطبيب، الشركة، الخزنة، ابني، أختي، والجنـ,ـازة.
فؤاد لم يكن قد مـ,ـات بالطريقة التي ظنناها.
لقد اكتشف أن أحد الشركاء كان يختلس أموال الشركة، وعندما حاول كشفه، تعرض لمحاولة قـ,ـتل.
لذلك اتفق مع الطبيب وعادل على اختفاء مؤقت، وأعد خطة تضمن أن أمواله وحقوقي لا يمكن الاستيلاء عليها بسهولة.
لكن خطته لم تستمر كما أراد.
الشخص الذي كان يختلس الأموال اكتشف جزءًا منها، وتعاون مع آخرين لتزوير الأوراق.
أما ابني، فكان قد عرف شيئًا من الحقيقة، لكنه أخطأ عندما ظن أن إبعادني عن البيت سيحميني.
ولهذا رماني في الطريق.
لم يكن تصرفه صحيحًا، لكنه لم يكن يريد قـ,ـتلي.
أما أختي، فكانت تنفذ تعليمات فؤاد وتحاول حمايتي من بعيد.
والشخص الذي ظهر في النهاية، عادل، كان آخر من يعرف مكان فؤاد.
لكن السؤال الذي ظل يؤرقني
طيب فؤاد فين؟
نظر عادل إلى الطريق.
ثم قال
في المكان اللي بدأ منه كل شيء.
ذهبنا إلى منزلنا القديم.
دخلت غرفة زوجي للمرة الأولى منذ وفـ,ـاته.
كان كل شيء كما تركه.
فتحت الخزنة بالمفتاح.
وجدت أوراق الشركة، تسجيلات، عقودًا، وأخيرًا رسالة باسمي.
فتحتها.
وكانت آخر رسالة كتبها زوجي
نوال، سامحيني لأني أخفيت عنك الحقيقة. كنت أعرف أن طمع الناس قد يصل إلى أقرب من نحب، لذلك تركت لك كل الأدلة. لو وصلتي إلى هنا، فاعرفي أنني اخترت أن أحميك حتى لو كرهتِني بسبب أسراري.
ثم وجدت صورة.
رفعتها أمام عيني.
وكان فؤاد واقفًا أمام منزل صغير في بلدة بعيدة.
وعلى ظهر الصورة
هنا ستجدينني.
في اليوم التالي، سافرت مع عادل.
وصلنا إلى المنزل.
طرقت الباب.
فتح رجل مسن.
نظرت إليه.
توقفت أنفاسي.
كان فؤاد.
أكبر سنًا، متعبًا، لكنه هو.
قلت
فؤاد؟
امتلأت عيناه بالدموع.
وقال
سامحيني يا نوال.
لم أستطع أن أتكلم.
بكيت فقط.
ليس لأنني كنت سعيدة بعودته.
بل لأنني كنت غاضبة من كل ما حدث.
بعد أيام، عاد فؤاد إلى البلدة، وواجهنا بكل الحقيقة.
تم تقديم الأدلة للجهات المختصة، واستُعيدت ملكية الشركة والأموال التي حاولوا الاستـ,ـيلاء عليها.
أما ابني، فوقف أمامي يومًا وقال
ماما، أنا عارف إن اللي عملته مستحيل يتصلح بكلمة.
نظرت إليه طويلًا.
وقلت
يمكن مش هقدر أنسى لكن ممكن أديك فرصة تثبت إنك اتعلمت.
وبنتي بكت واعتذرت لي عن صمتها.
أما أنا
فلم أعد المرأة التي خرجت من السيارة وحيدة وسط الطريق.
تعلمت أن العمر لا يعني الضعف، وأن فقدان شخص لا يعني فقدان الحياة كلها.
بعد أشهر، جلست في الحديقة نفسها التي كنت أخاف أن أجلس فيها وحدي.
وضعت فنجان القهوة أمامي، ونظرت إلى البيت.
كان البيت ما زال بيتي.
والشركة عادت لأصحابها.
لكن أهم شيء استعدته لم يكن المال ولا الممتلكات.
كان نفسي.
ابتسمت وأنا أتذكر اللحظة التي تركني فيها ابني على الطريق.
وقلت لنفسي
هو كان فاكر إنه سابني من غير حاجة
ثم نظرت إلى السماء.
لكنه في الحقيقة سابني حرة.
ومن يومها، لم أعد أخاف من الوحدة.
لأنني اكتشفت أن أصعب لحظة في حياتي
كانت هي نفسها اللحظة التي بدأت فيها حياتي من جديد.




