
نفس صوته تمامًا صوت زوجي
نفس النبرة، نفس طريقة نطقه لاسمي، حتى تلك الوقفة القصيرة التي كان يفعلها قبل أن يكمل الجملة.
تسمّرت مكاني.
همست
ده فؤاد.
أختي أمسكت بيدي بقوة وقالت
مستحيل.
لكن الصوت جاء مرة أخرى من الخارج
نوال افتحي الباب.
بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.
اقتربت من الباب خطوة.
أختي صرخت
متفتحيش!
وقفت.
وفجأة سمعت صوتًا آخر من الخارج.
صوت ابني.
ماما، ابعدي عن الباب!
ثم صوت الرجل الآخر
محدش يفتح!
وبعدها حدث شيء أغرب
صمت الجميع.
لا صوت سيارات.
لا خطوات.
ولا حتى حركة.
فتحت أختي الستارة قليلًا ونظرت للخارج.
ثم شهقت.
مفيش حد.
اقتربت منها.
كانت السيارة ما زالت موجودة أمام المبنى
لكنها كانت فارغة تمامًا.
قلت
يبقى مين كان بيناديني؟
لم ترد.
عدت إلى الطاولة وأمسكت بالورقة.
كان هناك شيء لم أنتبه له من قبل.
أسفل الجملة الخاصة بالمقـ,ـبرة، كان هناك رقم مكتوب بخط صغير
17 4 29
أختي قالت
ده تاريخ؟
هززت رأسي.
مش عارفة.
لكن بمجرد ما شفته، افتكرت حاجة.
قبل وفـ,ـاة زوجي بأسبوعين، كان واقف في المطبخ وبيكتب أرقام على ورقة.
ولما دخلت عليه، خبّاها بسرعة.
سألته وقتها
بتعمل إيه؟
ضحك وقال
شغل قديم.
لم أفكر في الأمر وقتها.
لكن الآن
فهمت أن الرقم لم يكن تاريخًا.
كان رقم قبر.
أخرجت الورقة القديمة من الملف، وقارنتها بالرقم.
ثم اتسعت عيناي.
المقبرة اللي دفـ,ـنا فيها فؤاد فيها قطاع 17.
أختي أمسكت رأسها.
نوال إحنا لازم نروح هناك.
خرجنا من المبنى، لكن قبل أن نركب السيارة، لاحظت شيئًا جعلني أتوقف.
على زجاج السيارة كان هناك ظرف أبيض مثبت بمسّاحة الزجاج.
أخذته.
لم يكن عليه اسم.
فتحت الظرف.
في داخله صورة واحدة.
صورة لي وأنا خارجة من جنازة زوجي.
لكن الصورة لم تكن مأخوذة من بعيد.
كانت مأخوذة من داخل المقبرة.
وعلى ظهرها جملة
كنتِ تحت المراقبة منذ يوم الجنازة.
رفعت عيني لأختي.
مين بيراقبني؟
قالت
الشخص اللي كان متوقع إنك توصلي للحقيقة.
مين؟
قبل أن تجيب، وصلتها رسالة على هاتفها.
قرأت الرسالة، ثم تغيّر وجهها.
ناولَتني الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول
لو نوال راحت للمقـ,ـبرة، خليها تفتح القبر رقم 17 بنفسها لأنها هتلاقي هناك أول دليل على إن فؤاد كان حيًا بعد يوم الجنازة.
شعرت بركبتي تضعف.
حي بعد الجنازة؟
أختي هزت رأسها ببطء.
نوال لو الرسالة دي حقيقية، يبقى إحنا دفـ,ـنا شخصًا آخر.
ركبنا السيارة.
وطوال الطريق لم نتكلم.
كنت أحاول استيعاب شيء واحد فقط
من الذي دفـ,ـناه إذن؟
وعندما وصلنا إلى المقـ,ـبرة، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
دخلنا بين القبور.
الهواء كان باردًا، والمكان ساكنًا بشكل مخيف.
حتى وصلنا إلى القطاع 17.
وجدت الرقم.
17.
لكن قبل أن نقترب من القبر
سمعنا صوت خطوات خلفنا.
استدرنا.
كان ابني واقفًا على بعد أمتار.
وجهه شاحب.
وقال
ماما متفتحيش القبر.
نظرت إليه.
ليه؟
اقترب خطوة.
لأن اللي جواه
سكت.
قلت
إيه؟
رفع عيني نحوي وقال
مش شخص غريب.
ثم أضاف بصوت مرتجف
ده شخص أنا شفته بعيني قبل ما يمـ,ـوت أبويا تراجعت خطوة وأنا أحدق في ابني.
يعني إيه شفته قبل ما أبوك يمـ,ـوت؟
لم يرد فورًا.
كان ينظر إلى القبر وكأنه يخشى حتى الاقتراب منه.
قلت بغضب
اتكلم!
أخذ نفسًا طويلًا وقال
قبل وفـ,ـاة أبويا بيومين، شوفته مع واحد من شركائه.
مين؟
الراجل اللي كان واقف عند المؤسسة.
تذكرت الرجل الذي قيل لي إنه أخو زوجي.
لكن ابني هز رأسه.
مش عمه شخص تاني.
أختي اقتربت منه
وإنت كنت عارف كل ده وسايب أمك؟
صرخ
أنا كنت بحاول أحميها!
ضحكت بمرارة
تحميني؟ وإنت رميتني على طريق مقطوع؟
خفض رأسه.
لو كنتِ فضلتي في البيت، كانوا هيأذوكي.
سألته
مين هم؟
رفع عيني وقال
الناس اللي أبويا كان خايف منهم.
ثم أخرج هاتفه.
فتح صورة.
كانت صورة قديمة لزوجي جالسًا في مكتب، وبجواره ثلاثة رجال.
أشرت إلى أحدهم.
ده أخو أبوك.
قال
أيوه.
أشرت إلى الرجل الثاني.
وده شريكه؟
أيوه.
ثم نظرت إلى الرجل الثالث.
تجمدت.
لم أكن أعرفه.
لكن كان هناك شيء في وجهه مألوف جدًا.
قلت
مين ده؟
ابني لم يجب.
أختي اقتربت من الصورة.
ثم وضعت يدها على فمها.
نوال
إيه؟
قالت بصوت منخفض
أنا شفت الراجل ده قبل كده.
فين؟
نظرت إليّ.
في جنازة فؤاد.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وقبل أن نكمل، سمعنا صوت سيارة يقترب من بوابة المقبرة.
ابني التفت بسرعة.
لازم نمشي.
قلت
لأ.
أمسكت بالمفتاح.
أنا مش ههرب تاني.
اقتربت من القبر.
وضعت يدي على الحجر.
كان اسمي محفورًا على لوحة التعزية بجوار اسم زوجي.
لكن شيئًا صغيرًا لفت انتباهي.
تاريخ الوفـ,ـاة.
كان مختلفًا عن التاريخ الذي أخبرني به الطبيب.
صرخت
التاريخ ده غلط!
ابني اقترب.



