
— “أيوة يا طارق! روح لها! استسمحها، اعتذر لها قدام كل الناس، وقولها إن فاطمة أختك كانت غلطانة وأنا مستعدة أروح أبوس رأسها وأخدمها وهي حامل لحد ما تولد! طارق إحنا لو اتفضحنا في العيلة وعمي عرف، وسر الشركة والتجميد ده اتعرف، إحنا هنضيع!” طلعت فاطمة وطارق بيجروا على بوابة الكمبوند. أفراد الأمن كانوا واقفين بيبصوا لهم بنظرات ساخرة. السائق الخاص اللي كان طارق بيؤمره وينهى عليه ويقوله “جهّز العربية يا حسن” جه وقف قدامه، وبص له بمنتهى البرود:
— “طليق الهانم.. الأستاذ طاهر بلغنا إن مفاتيح العربية الرينج روفر تسلمها فوراً، لأن العربية مسجلة باسم الشركة القابضة المملوكة لوالد مدام مريم، وحضرتك مالكش حق استخدامها بعد النهاردة.” — “أنت بتكلمني كده إزاي يا جدع أنت؟!” صرخ طارق وهو بيفقد أعصابه. “أنت نسيت نفسك ولا إيه؟!” الحارس الرئيسي للكمبوند قرب بثبات وحط إيده على كتف طارق بقوة:
— “يا أستاذ طارق، بلاش مشاكل. أستاذ طاهر جابلنا أمر كتابي وإخلاء رسمي. المتعلقات الشخصية بتاعتك أنت وأختك هتتلم في شنط وتتحط برة البوابة الساعة 2 الضهر. لو سمحت سلم المفاتيح واطلع برة الكمبوند بهدوء عشان ما نطلبش النجدة وتعمل لنفسك فضيحة على الفاضي.” طارق رمى المفاتيح في وش السواق، وجر أخته من إيدها وخرجوا برة الأسوار العالية.
الشمس كانت حارقة، والرصيف كان ناشف ومفيش حتى ظل يقعدوا تحته. طارق وقف على شارع التسعين في التجمع، التاكسيات بتعدي من قدامه وهو مش قادر يستوعب إنه من بضعة أيام كان بيمشي بالعربية الفارهة وبيأمر ويطاع، ودلوقتي واقف على الرصيف مش لاقي مكان يروح فيه! — “هنروح فين دلوقتي يا طارق؟” فاطمة قعدت على الشنطة الصغيرة اللي كانت معها وبدأت تعيط بانهيار. “الشارع؟ هنقعد في الشارع بالشنط؟!” — “اسكتي بقى! اسكتي خالص!” زعق طارق وهو بيمسك دماغه. “على حدائق القبة.. هنروح لشقة ماما. هخلي البواب يكسر القفل أو نطرُد الساكن بأي طريقة.. تصرفي معايا تكسي بسرعة.”
أخدوا تكسي وطلعوا على حدائق القبة. المنطقة الشعبية القديمة اللي طارق كان بيستعار ينطق اسمها قدام صحابه وأصحاب مريم. وصلوا العمارة القديمة. الشارع ضيق، والمبنى المتهالك والسلالم المكسورة كانت استبصار قاسي للواقع الجديد. طلعوا الدور التالت، وطارق خبط على الباب بعنف شديد. فتح الساكن، راجل كبير في السن ولابس جلابية، بص لطارق بضيق: — “خير يا أستاذ طارق؟ في إيه بتخبط كده ليه كأن البيت بيولع؟” — “عم إبراهيم.. أنت لازم تفضي الشقة دي فوراً!” قال طارق بصوت مرتعش. “أنا محتاج الشقة ضروري جداً النهاردة!”
الراجل العجوز بص له باستغراب وضحت ضحكة سخرية: — “أفضي إيه يا ابني؟ أنت شارب حاجة على الصبح؟ أنت دافع الإيجار مقدم لسنة كاملة والعقد بتاعي ينتهي بعد سبع شهور! وفوق ده كله، أنا بكلم المحامي بتاعك وبحول الإيجار شهرياً على المكتب.. استنى كده! هو مش المحامي ده اللي كلمني امبارح بالليل؟” طارق جمد في مكانه: — “محامي إيه؟ أستاذ طاهر؟!” — “أيوة! الأستاذ طاهر كلمني وقال إن الشقة دي مكتوبة بعقد تنازل وهيحولي قيمة الإيجار لسنة كمان قدام بشرط إني ما أخرجش منها ولا أسمح لأي حد يدخلها إلا بأمره! وقال لو أنت جيت، أبلغ أمن المنطقة فوراً!”
طارق اتسند على الحيطة بتاعت السلم. رجليه ما بقتش شايلاه. مريم.. مريم ما سابتش ثغرة واحدة! الست اللي كان فاكرها ساكتة، ومستكينة، ومش فاهمة حاجة في الدنيا.. طلعت متحكمة في كل خيط من خيوط حياته، ومحاصراه من كل اتجاه بمنتهى الذكاء والهدوء، من غير ما ترفع صوتها ولا تطلع كلمة عيب! فاطمة قعدت على الدرج وبدأت تصوت وتلطم على وشها في وسط العمارة: — “يا لهوي يا فضيحتنا! يا خرابي يا طارق! هنعمل إيه؟ هننام في الشارع؟!”
الجيران بدأوا يفتحوا البيوت ويطلعوا برؤوسهم يتفرجوا عليهم. طارق شد أخته بالقوة ونزلوا على الشارع وهو حاسس إن كرامته ونفسه مكشوفة قدام العالم كله. — “لوكاندا..” قال طارق وهو بيهمس لنفسه. “هنأجر أوضة في لوكاندا رخيصة لحد ما الصبح يجي ونروح لمكتب الأستاذ طاهر.. لازم أحل الموضوع ده قانونياً، أصل هي ملهاش حق تعمل كده، أنا جوزها شرعاً وقانوناً ودا ابنها اللي في بطنها!”
قضوا الليل في لوكاندا متهالكة في وسط البلد. الأوضة كانت ضيقة، ريحتها رطوبة وصوت العربيات برة ما بيقفش. طارق ما قدرش ينام ثانية واحدة. كل ما يغمض عينيه، يشوف منظر مريم وهي واقفة جنب عربية البضائع في القطر، صامتة، عينها ثابتة عليه.. وبصوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط. افتكر كل مرة اتريق عليها قدام أخته، كل مرة طلب منها أكل ومشي وسابها تنضف البيت لوحدها وهي تعبانة.. الصبح بدري، الساعة كانت 9:30. طارق كان واقف قدام البرج الإداري الضخم في جاردن سيتي اللي فيه مكتب الأستاذ طاهر.




