روايات

جوزي حجز تذكرة درجة أولى

— “مدام مريم سابت الشغل عشان كانت قرفانة من مطامع الناس في ثروتها، ولما قابلتك، كانت شايفة إنك إنسان عصامي وبتحبها لنفسها. المصروف اللي كنت بتديهولها؟ كانت بتاخده وتدفعه للاّمِن والبوابين في الشارع من غير ما تحسسك بعقدتك. لكن حضرتك استغليت هدوئها وطيبتها، وقنعت نفسك إنها ضعيفة ومالهاش ظهر.”
طارق انهار على الكرسي، عرق بارد نازل من وشّه، صوته بقى زي الهمس:
— “طب وهي.. هي عايزه إيه دلوقتي؟ عايزه تتطلق؟”
الأستاذ طاهر قفل الملف بض.ربة واحدة حادة هزت الطاولة:
— “الطلاق ده التزامات ثانوية هنيجي لها. دلوقتي فيه إجراءات عاجلة.

اتفضل دي الاستمارة الرسمية لإلغاء تفويضك في إدارة أي أوراق، وده إخطار رسمي بضرورة إخلاء الفيلا خلال 24 ساعة ونقل متعلقاتك الشخصية فقط لشقتك القديمة في حدائق القبة.”
فاطمة صرخت:
— “حدائق القبة؟! نرجع الشقة القديمة اللي كاريينها من زمان؟! طارق أنت لازم تتصرف! كلمها! اعتذر لها! قولها إننا كنا بنهزر!”
طارق بصلها بعيون ميتة، ما قدرش ينطق حرف.
المحامي وقف، لبس نظارته الشمسية وقال وهو بياخد شنطته:
— “وعلى فكرة يا طارق بيه.. البنك اللي فيه حسابك الشركاتي الصغير اللي كنت فتحته الشهر اللي فات؟

المحفظة الاستثمارية للشركة طلعت مملوكة لشركة القابضة بتاعة والد مدام مريم.. واليوم الصبح تم تجميد كل التسهيلات الكريديت الخاصة بيك لعدم كفاية الضمانات.”
طارق قام وقف بالعافية، كأنه عاجز عن الحركة:
— “أنتم بتدمروني؟ عشان موقف في قطر؟!”
الأستاذ طاهر بص له عند البوابة وقاله قبل ما يمشي:
— “أنت ما دمرتش نفسك عشان موقف في قطر يا طارق.. أنت دمرت نفسك لما افتكرت إن صبري الست ونبلها نقطة ضعف، ولما سبت أم ابنك اللي شايلة ابنك في بطنها واقفة على رجلها وبتتلوى من الوجع عشان تقعد أختك وتطلب عصاير فريش.

بكرة الساعة 10 صباحاً هتوصلك قائمة الدعاوى القضائية.. القضايا مش بس طلاق، دي قضايا حجر وتبديد واسترداد أصول.”
سابهم المحامي ومشي، وساب طارق وفاطمة واقفتين في وسط الجنينة، الصوت الوحيد اللي مسموع هو صوت الهواء، والورق اللي بيلف حوالين رجليهم.
طارق بص لأخته وقال بنبرة مليانة حسرة وندم ملوش قيمة:
— “كنت فاكرها مالهاش حد.. طلعت هي اللي كانت ساترتنا ومغطية عيبنا.”
الشمس كانت طالعة في التجمع الخامس بنور دافي، بس الجنينة بتاعة الفيلا كانت مقفرة. طارق واقف في أراضيها، وشه شاحب، وإيديه بتترعش وهو بيقلب في الأوراق القانونية اللي سابها الأستاذ طاهر على الطاولة الخشب.

كل ورقة كانت عبارة عن صفعة بتصحيه من كابوس دام سنتين.. أو بالأحرى بتصحيه من وهم كان عايش فيه وراسمه لنفسه. فاطمة أخته كانت قاعدة على الكرسي وجسمها كله بيتفض. المشروبات الباردة والحلويات اللي كانت بتطلبها في صالة الـ VIP بالقطر وهي بتتريق على مريم مرّت قدام عينها زي شريط سينما، بس المرة دي بطعم المُر.

— “طارق.. هنعمل إيه؟” صوته طلع مبحوح ومذعور. “يعني إيه نرجع شقة حدائق القبة؟ يعني إيه الشفرة متغيرة والفيلا مش بتاعتنا؟ طارق اتكلم! اتصل بعمك تاني.. اتصل بمريم، خليهم يرحمونا! إحنا ملناش مكان نروح فيه، وأنت عارف إن شقة ماما هناك متأجرة وفيها سكان وبقيلها سنة عشان العقد يخلص!” طارق ما ردش. صوته كان محبوس في زوره. مسك تليفونه تاني بأصابع متلجة وطلب رقم مريم.. المرة دي التليفون رن!
قلبه دق بشدة من الأمل، حط التليفون على أذنه وهو بيتنفس بسرعة:

— “مريم! مريم ردّي عليا أرجوكِ! مريم أنا أسف.. أنا والله العظيم ما كنت أقصـ—” — “الخط ده تحت الإدارة القانونية لمكتب الأستاذ طاهر يا طارق بيه.” مقالات ذات صلة بعد الطلاق
منذ 9 ساعات فرن سلفتي
منذ 9 ساعات عمتي
منذ 9 ساعات سبب نزول سورة الناس
منذ يوم واحد
الصوت ما كانش صوت مريم. كان صوت السكرتيرة التنفيذية لمكتب المحاماة.

— “مدام مريم موبايلها مقفول بأوامر طبية وممنوع عنها أي اتصالات قد تسبب لها إجهاد عصبي. أي محاولة للتواصل المباشر معها أو الاقتراب من مقر إقامتها الحالية أو المستشفى هتُعتبر مضايقة صريحة وهنصدر ضدك أمر بعدم التعرض فوراً. أرجو إن الرسالة تكون وصلت.” السكرتيرة قفلت الخط قبل ما ينطق بكلمة.

طارق مسك التليفون ورمى بيه في النجيل بغل وحسرة. القوة اللي كانت عنده، الفشخرة اللي كان بيعملها قدام زمايله في الشركة، الكلمة اللي كان بيمشيها على مريم لمجرد إنه فاكر إنها محتاجة له.. كل ده انهار في لحظة. افتكر يوم الجواز، لما مريم قالت له بابتسامة هادية وهي ماسكة إيده: “أنا مش عايزة منك غير إنك تتقي ربنا فيا يا طارق.. الفلوس والظروف بتروح وتيجي، بس الحنية والأصل هما اللي بيبقوا.”

ساعتها طارق افتكر إنها بتقول كده عشان هي فقيرة أو مكسورة الجناح ومالهاش عيلة تنصفها، فساق فيها وعاش دور البطل المعطاء! — “أنا لازم أروح للمستشفى..” قال طارق وهو بيلف حوالين نفسه. “أنا لازم أشوفها بنفسي. هي أكيد مش هتهون عليها العِشرة.. مريم بتحبني، أنا عارف إنها بتحبني! هي بس زعلانة عشان اللي حصل في القطر.. هروح أعتذر لها وأطلب منها السماح، هي قلبها أبيض وست طيبة وبتسامح!” فاطمة قامت وقفت وجريت عليه، مسكت في هدومه:

انت في الصفحة 4 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى