
ده البيت كله كان بيغرق لتحت، وكأن الأرض بتبلعه باللي فيه.
وفي وسط الرعب ده، ياسين قرب من أبوه بخطوات ثابتة، ومسك إيده، وبصلي بابتسامة خبيثة مكنتش شفتها فيه قبل كدة، وقالي ببرود خالتي هدى.. أنتي لسه مصدقة إن فيه حد فينا كان ضحية؟
وفجأة، حسيت بإيدين كتير بتطلع من تحت الأرض، إيدين شمعية باردة بتمسك رجلي وبتشدني لتحت، وصوت محمود وياسين بقوا يترددوا في ودني بجملة واحدة أهلاً بيكي في عيلتنا الحقيقية.
الإيدين الشمعية كانت بتسحبني بقوة مش طبيعية، والبرودة اللي طالعة منها كانت بتخترق عضمي، وكأنها بتمص الدفا اللي في جسمي كله.
حاولت أقاوم، أرفس برجلي، بس الأرضية تحت مني اتحولت لعجينة لزجة بتشدني لقرار البيت. بصيت لعمر، كنت بتمناه يلحقني، بس شفته هو كمان واقف بمنتهى البرود، ملامحه اللي كانت مرعوبة من لحظة اختفت، ووشه بقى زي القناع الخشبي.
حتى أنت يا عمر؟ صرخت والدموع مغرقة وشي. عمر موطاش يلحقني، بالعكس، ده داس على إيدي اللي كانت بتحاول تتشبت بحافة السجادة، وقالي بصوت هادي ومستقر أنتي كنتي وعاء ممتاز يا خالتو.. حنيتك دي هي اللي خلتنا نكبر بسرعة، لولا وجودك كان زماننا لسه مجرد تماثيل في ركن السرداب.
المسافة بيني وبين محمود وياسين كانت بتزيد وأنا بنزل لتحت، محمود ولع عود كبريت، وفي ضوءه الضعيف شفت وشوش ال 9 ولاد وهم محوطني، بس مكنوش ولاد.. كانوا كيانات غريبة، جلودهم بتلمع كأنها مدهونة بالزيت، وعيونهم وسعت لدرجة مخيفة. محمود رمى عود الكبريت في الفتحة اللي أنا بنزل فيها، وهو بيقول النار هي اللي بتشكل الشمع يا هدى.. والنار اللي جواكي هي اللي هتصهرنا كلنا في جسد واحد.
وقعت
فجأة في مكان واسع جداً ومظلم، بس مش هو السرداب اللي شفته من شوية. المكان ده كان ريحته رحم.. ريحة حياة بدائية وقديمة.
النور الفوسفوري بدأ يظهر تاني، وشفت إن المكان مليان ممرات مش بتنتهي، وكل ممر فيه تماثيل لناس تانية خالص، ناس مكنتش أعرفهم بس شكلهم كان مألوف، وكأنهم سكان المنطقة اللي اختفوا على مدار السنين.
وفجأة، سمعت صوت زينب تاني، بس مكنش طالع من الست العجوزة، الصوت كان جاي من كل الجدران متخافيش.. الوجع لحظة، والخلود أبدي. حسيت بحاجة سخنة بتنصب فوق راسي، سائل لزوجته عالية وبدأ يغطي كتافي وينزل على جسمي.. شمع.
بدأت أتصلب، حركتي بدأت تتقل، وفي اللحظة اللي الشمع وصل فيها لوشي، شفت ياسين نازل من السلم اللي فوق وهو ماسك في إيده مراية قديمة.
وقف قدامي ووجه المراية لوشي وهو بيهمس شوفي نفسك لآخر مرة.. قبل ما تبقى الأم لكل اللي جايين.
في المراية، مشفتش وشي.. شفت وش زينب، وشفت محمود وهو واقف وراها ليلة الحادثة، وشفت الحقيقة اللي كانت غايبة؛ مكنش فيه حادثة، ومكنش فيه اختفاء. محمود وزينب مكنوش بشر، والبيت ده مكنش سكن.. ده كان مصيدة بتدور على قلب طيب يغذيها كل 12 سنة.
الشمع غطى عيني تماماً، ومبقتش شايفة غير سواد، بس سمعت صوت محمود وهو بيقول بوضوح جهزي نفسك يا هدى.. فيه عيلة جديدة جاية بكرة، ولازم تستقبلي التسعة الجداد بضحكتك اللي بتطمن.. زي ما عملت زينب معاكي زمان.
فجأة، حسيت بقلبي بيقف، وبدأت أحس إني بقيت خفيفة.. خفيفة جداً، وكأني بقيت مجرد فكرة.. فكرة بتسكن تمثال. وفوق في الصالة، سمعت صوت تليفون البيت بيرن من تاني، وصوت ياسين وهو بيرد بمنتهى الأدب أيوة يا فندم.. إحنا 9 أطفال يتامى، ومحتاجين حد يرعانا في البيت ده.. حضرتك خالتنا اللي بابا حكالنا عنها؟
ساد الصمت للحظة، صمت تقيل كأنه وزن الجبل اللي انطبق على صدري. وفجأة، سمعت صوت شهقة قوية، كأن روحي بترجع لجسمي من مسافة بعيدة. فتحت عيني، لقيت نفسي واقفة في نص الصالة، النور شغال، والبيت هادي تماماً.. مفيش أثر لمية سودا، ولا سرداب، ولا شمع.
بصيت لإيدي، كانت طبيعية، مفيش أي أثر للحروق أو الشمع المتجمد. كان حلم؟ همست لنفسي وأنا بمسح العرق اللي مغرق وشي. لكن لما رفعت راسي، لقيت ال 9 ولاد واقفين حواليا في دايرة كاملة، سكتين، وعينيهم مركزة عليا بنظرة واحدة غريبة.. نظرة خالية من أي براءة.
ياسين قرب مني، كان لابس هدوم خروج نضيفة وريحته بخور من اللي كانت في السرداب. مد إيده وباس راسي وقال بصوت هادي يقطّع القلب حمد الله على السلامة يا ماما زينب.. أخيراً روحك استقرت في الوعاء الصح.
جسمي اتنفض، وحاولت أقوله أنا خالتك هدى، بس الصدمة لجمت لساني لما بصيت في مراية الصالة..
مكنتش هدى. الملامح اللي في المراية كانت ملامح أختي زينب بالظبط، حتى الحسنة اللي كانت جنب عينها، حتى النبرة اللي طلعت من حنجرتي لما حاولت أصرخ أنا فين؟.
محمود طلع من أوضته، كان لابس بدلة شيك وكأنه رايح مشوار مهم، قرب من المراية وعدّل الكرافتة بتاعته وبص لانعكاسي بابتسامة نصر هدى
راحت يا


