
قسم الفلوس نصين. قلت: — بتعمل إيه؟ قال: — النص ده هحوشه. — والنص التاني؟ ابتسم. — هصرفه. قلت بفرحة: — أخيرًا! قال: — هشتري خوذة للعجلة. ضحكت. — كنت خايفة تقول هتشتري كرتونة مكرونة. ضحك لأول مرة من قلبه. لكن بعد أسبوع… حصل شيء ماكنتش متوقعاه. خبط على بابنا حد. فتحت. لقيت أم الأطفال. شكلها كان أحسن. وفي إيدها كيس صغير. قلت: — اتفضلي. دخلت. ابني كان في الصالة.
أول ما شافها قام. قال: — حضرتك كويسة؟ ابتسمت. — بقيت أحسن. قربت منه. ومدّت له الكيس. — ده ليك. قال بسرعة: — لأ، أنا مش عايز حاجة. قالت: — افتحه الأول. فتح. جواه حصالة صغيرة على شكل عجلة. ضحك. وقالت: — ولادي حوشوا تمنها من مصروف بسيط اتجمع لهم. ابني عينيه دمعت. — ليه؟ قالت: — عشان يتعلموا إن اللي بياخد مساعدة… ممكن في يوم يبقى هو اللي بيساعد.
وبعدين بصتلي. وقالت: — وجوزك ماكانش مديون لنا بحاجة. سكتت لحظة. — جوزي اختار يرجع ينقذه. محدش أجبره. دموعي نزلت. قالت: — أنا فضلت سنين زعلانة… بس دلوقتي فهمت إن إحساس الذنب كان بيأكل جوزك أكتر من أي حد. ابني سألها: — كنتِ بتكرهي بابا؟ بصت له فترة. وقالت: — في الأول كنت فاكرة إني بكرهه. ثم ابتسمت. — بعدين عرفت إني كنت بكره اللي حصل… مش أبوك. ابني نزل عينه.
قالت له: — وإنت عملت حاجة جميلة. وبعدين أشارت لقلبه. — بس ما تخليش الطيبة تتحول لحمل فوق ضهرك. كانت نفس رسالة أبوه تقريبًا. ولأول مرة… شفت ابني يتنفس كأنه كان شايل وزن تقيل ونزله. الفصل السابع والأخير — أول مشوار بالعجلة عدّى كام شهر. وجاء عيد ميلاد ابني الـ14. الصبح، صحاني بدري. — ماما. فتحت عيني. — إيه؟ كان ماسك ظرف رقم 14. الجواب اللي فتح جزء منه قبل ميعاده.
قال: — النهارده أقدر أقراه رسمي. قعدنا جنب بعض. قرأ الباقي. كان أبوه كاتب: “لو عندك عجلة دلوقتي، افتكر تلبس الخوذة. ولو مامتك قالتلك ارجع قبل المغرب، ارجع قبل المغرب. أنا عارفك وهتحاول تفاصل. ما تفاصلش. هي غالبًا صح.” ابني انفجر ضحك. وأنا قلت: — حتى وهو مش موجود واقف في صفي. كمل القراءة: “وفي عيد ميلادك الـ14، نفسي أطلب منك أول طلب حقيقي. سامح نفسك على أي حاجة مقدرتش تعملها.
إنت مش مسؤول عن إنقاذ العالم. بس لو قدرت تخلي يوم حد أحسن بكلمة أو موقف كويس، اعملها. وبعدين كمل طريقك.” ابني سكت. قفل الرسالة. وقام. قلت: — رايح فين؟ قال: — أول مشوار بالعجلة. لبس الخوذة. حط صورة أبوه الصغيرة في الشنطة الأمامية. ونزلنا. أنا كنت ماشية جنبه. قال: — ماما، مش هتركبي ورايا يعني. قلت: — أنا عايزة أشوفك أول ما تقع. — تشجيع عظيم. ضحكنا. وصلنا قدام المطعم.
المدير والعمال كانوا مستنيينه. صفقوا له لما وصل. العجلة اللي فضل ست شهور يقول إنه بيحوش عشانها… كانت أخيرًا تحت إيده. لكن دلوقتي معناها مختلف. ما بقتش مجرد حاجة غالية نفسه فيها. بقت آخر هدية اختارها أبوه بنفسه. وقف المدير وقال: — طب ما تجربها بقى بدل ما إنت ماشي جنبها من ساعة ما خدتها؟ ابني ركب. بدأ يتحرك. وبعد مترين وقف فجأة. بصلي. — نسيت حاجة. — إيه؟ رجع.
ح.ضني. وقال: — آسف إني كدبت عليكي. قلت: — وأنا مسامحاك. بعدته عني شوية. — بس لو عملتها تاني… ضحك. — عارف. ركب العجلة. وانطلق. فضلت واقفة بتفرج عليه وهو بيبعد. وفي اللحظة دي، فهمت حاجة. أنا طول الشهور اللي فاتت كنت فاكرة إن ابني بيكبر بسرعة. لكن الحقيقة… إنه كان بيحاول ياخد مكان أبوه. يشيل. ويحمي. ويصرف. ويخبي تعبه. وفاكر إن دي الرجولة. لكن أبوه، من خلال رسالة قديمة، علمه أهم درس:
إن القوة مش معناها إنك ما تحتاجش حد. وإن مساعدة الناس مش معناها تضيع نفسك. وإن الطفل… من حقه يفضل طفل. بعد شهور، العيلة اللي كان بيساعدها وقفت على رجليها. الأم بدأت شغلها. والأطفال رجعوا ينتظموا في دراستهم. وابني؟ فضل يشتغل يوم السبت فترة، لكن باتفاق واضح ومع الاهتمام بدراسته وراحته. وبقى كل أسبوع لما يقبض… يرجع البيت ويحط جزءًا في حصالته. وأحيانًا يشتري لنفسه حاجة. وأحيانًا يساهم بمبلغ صغير في مساعدة حد، لكن من غير أسرار.
وفي يوم سألته: — بتحوش لإيه المرة دي؟ ابتسم. قلت: — عجلة تانية؟ قال: — لأ. — أمال إيه؟ طلع من شنطته صورة. كانت صورة قديمة ليا أنا وأبوه وهو صغير. وقال: — رحلة. — رحلة فين؟ — أي مكان كان بابا نفسه ياخدنا له وما لحقش. ابتسمت. وقلت: — المرة دي أنا هدفع. بصلي بجدية مصطنعة. — النص بالنص. ضحكت. — ماشي. وفي الليل… دخلت أوضته. لقيت صندوق رسائل أبوه فوق المكتب.
جنب الحصالة. وجنبها ورقة صغيرة ابني كاتبها لنفسه: “مش لازم أصلح كل حاجة لوحدي.” بصيت للجملة فترة. وطفيت النور. وقبل ما أقفل الباب، سمعت صوته: — ماما؟ — نعم؟ — بابا كان هيبقى فخور بيا؟ وقفت. قلت: — جدًا. سكت لحظة. وبعدين ضفت: — بس كان هيبقى أفخر بيك دلوقتي… عشان أخيرًا عرفت إنك مش لازم تبقى هو. ابتسم. — تصبحى على خير. — وإنت من أهله يا حبيبي. قفلت الباب.
ووقتها فهمت إن جوزي صحيح ساب لنا أسرار وجعته… لكنه ساب لنا معاها حاجة أهم. ساب رسالة وصلت متأخرة 3 سنين… لكنها وصلت في اللحظة اللي ابنه كان محتاج يسمعها فيها بالضبط. تمت. #حكايات_اسما_السيد
الكاتبة أسما السيد “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” هذه القصة من وحي خيال المؤلف لا تمت للواقع بصلة




