روايات

ولادة صعبة

نادية في الأول كانت واقفة بثقة، لكن بعد شوية بدأت تبص ناحيته بتوتر، ولما قفل المكالمة ورجع، ضحكت ضحكة عصبية وقالت: ـ إنت بتعمل إيه يا أحمد؟ أحمد مبصلهاش، بص لبنته الصغيرة اللي كانت نايمة في حضني، وبعدين رفع عينه لأمه وقال: ـ هتعرفي كمان دقيقة يا ماما. أنا نفسي مكنتش فاهمة حاجة، وكنت لسه هسأله يقصد إيه… لما جرس الباب رن. أحمد لف من غير ما يقول كلمة ونزل السلم. سمعت صوت الباب بيتفتح، وبعد حوالي دقيقة… سمعت صرخة نادية! صرخة خلتني أنسى وجع العملية للحظة.

بصيت عليها، كانت واقفة مكانها ووشها اتغير تمامًا، وبعدين نزلت السلم بسرعة وأنا نزلت وراها بالعافية ماسكة الدرابزين بإيد وليلى في حضني. ولما وصلت لآخر السلم… لقيت نادية واقفة تحت، ووشها كان أبيض زي الورق، وعينيها متعلقة بالراجل اللي أحمد لسه مدخله البيت. أول ما شافته، قالت بصوت مخضوض: ـ لأ… يا أحمد، لأ. مش هو. أحمد فضل ساكت، ونادية هزت راسها بعنف وقالت: ـ لأ يا أحمد… مش هو.

وبعدين قربت من ابنها بسرعة ومسكت دراعه، وصوتها اتغير تمامًا؛ الست اللي من دقايق كانت واقفة قدامي بكل غرور وبتقول إن بنتي مش وريثة… بقت بتترجاه: ـ أرجوك يا أحمد. سكتت لحظة، وبعدين قالت بسرعة وهي بتشد على دراعه: ـ اطردني من البيت… خد فلوسي… خد أي حاجة إنت عايزها. أنا مش فارق معايا. وبصت ناحية الراجل بخوف حقيقي، وقالت: ـ بس متعملش فيا كده.

أحمد مد إيده بهدوء… وفك إيد أمه من على دراعه، من غير ما يزعق، من غير ما يهينها، ومن غير حتى ما يرفع صوته، وبعدين وقف جنب الراجل. وساعتها بس فهمت من نظرة نادية إن اللي أحمد عمله… مكانش مجرد رد فعل على أوضة ادهنت بالأسود. أحمد كان عارف حاجة، حاجة تخص أمه، وحاجة نادية كانت مستعدة تخسر فلوسها وتتطرد من البيت… ولا تواجهها.

لكن خلاص، كان فات الأوان؛ لأن الراجل اللي كانت نادية مرعوبة من مجرد وجوده في بيتنا… كان الحاج محمود، جد أحمد، والراجل اللي ماسك شركة العيلة فعليًا لحد النهارده. أول ما نادية شافته، وشها شحب تمامًا وهمست: ـ لأ… يا أحمد، لأ. مش هو. لكن الحاج محمود كان دخل البيت، وكان لسه لابس الجاكت بتاعه وكأنه ساب كل حاجة وطلع على هنا فورًا. بص لأحمد وقال بصوت هادي: ـ قلتلي إن الموضوع مينفعش يستنى.

أحمد أشار ناحية السلم وقال: ـ فعلًا مينفعش يا جدي… ورايا، هوريك بنفسك اللي ماما عملته في البيت، واللي خلتني أطلبك فورًا عشان تحسمه بنفسك للأبد. محمود كمل بصوت حازم:
ـ والبيت ده، وشركة الأثاث، وكل الأملاك المتعلقة بالعيلة، هيتم مراجعة إدارتها بالكامل، ومن النهارده هتبعدي تمامًا عن أي قرار يخص المصنع أو مستقبله. هتعيشي هنا كفرد من العيلة مالوش أي صفة إدارية أو اعتبارية، لحد ما تتعلمي إن قيمة الإنسان مش بنوعه ولا بجنسه، بل بأفعاله وتربيته.

نادية فتحت بؤها بصدمة مطلقة، وحطت إيدها على راسها وهي مش مصدقة اللي بيتقال. العمر اللي قعدت تبنيه والمكانة اللي طالما تفاخرت بيها قدام الناس، كله طار في لحظة بسبب غرورها وتعنتها. أحمد بص لجده بامتنان صامت، وبعدين بص لي ولليلى النايمة بسلام في حضني، ومد إيده وباس راسها برفق وقال:
ـ بنتنا هتربى وهي عارفة إنها تقدر توصل لأي مكان في الدنيا، وإن مكانها في العيلة وفي الشغل مش محتاج إثبات لأي حد.

الحاج محمود هز راسه بموافقة، وطلب مننا نرجع أوضة ليلى عشان نصلح كل حاجة ونرجعها أحسن ما كانت، بينما ساب نادية واقفة مكانها لوحدها وسط الدهان الأسود اللي هي بنفسها اختارته، عشان تذوق طعم القسوة والرفض اللي زرعتهم بأسلوبها. دخلنا الأوضة، وبدأت أنا وأحمد ننظف الحيطان ونمسح السرير، وكل مسحة كانت بتمسح معها آثار القديم والجهل، وبتبني بداية جديدة ومشرقة لليلى، ولحياتنا اللي أخيرًا بقت قايمة على الحب والعدل والاحترام الحقيقي.

محمود كمل
ومش هيبقى ليكي أي رأي في تحديد مين يستلم الشركة بعدي.
نادية قالت بصوت مهزوز
إنت مش ممكن تعمل كده.

رد
إنتِ دهنتي سرير حفيدتك بالأسود لأنك شايفاها غير مقبولة في إرث العيلة.
وأشار ناحية الأوضة.
يبقى إنتِ ملكيش حق تمثلي الإرث ده قدام حد.
نادية فضلت باصة له.
وبعدين سألت السؤال اللي وضح قد إيه القرار ده وجعها
أقول للناس إيه؟
الحاج محمود ملامحه متغيرتش.
قال
الحقيقة ممكن تكون بداية كويسة.
عينيها اتسعت.
إنت مش هتعمل فيا كده.
رد عليها
أنا مش هفضحك يا نادية.
اتنفست.
لكن كمل
وفي نفس الوقت… مش هكدب عشان أحميكي.
رجعت ملامحها تتجمد.

قال
أي حد يسألني ليه مبقتيش بتمثلي العيلة في مناسبات الشركة، هياخد إجابة حقيقية.
وده كان واضح إنه خوفها أكتر من خسارة الحفلات نفسها.
لأن نادية كانت بنت صورتها قدام الناس على مدار تلاتين سنة.
الست المثالية.
زوجة صاحب الشركة.
واجهة العيلة.
الست اللي كل الناس بتحترمها.
والآن…
لو حد سأل ليه اختفت، محدش هيخترع لها عذر.
أحمد وقف جنبي.
وبص لأمه وقال
كده خلص كلام الشركة.
نادية بصتله.
قال
دلوقتي نتكلم عن عيلتي أنا.
سكت لحظة.

من النهارده، متدخليش بيتنا غير لما إحنا نعزمك.
ملامحها انهارت.
أحمد…
ومتخديش أي قرار يخص ليلى.
ومتشتريش حاجة بالنيابة عنها.
ومتتكلميش باسمنا.
وبعدين قال الجملة اللي خلتها تبدأ ترتعش
والأهم… مش هتفضلي موجودة في حياة بنتنا ومستنية اليوم اللي ييجي فيه مولود تاني عشان تعامليه كأنه الطفل الحقيقي، وهي مجرد طفلة جات بالغلط قبله.
نادية بصتلي.
كانت بتترعش.
وقالت بسرعة
أنا هصلح كل حاجة.
بصت ناحية السلم.
والله العظيم هصلح الأوضة بنفسي.
هرجع أدهن الحيطان.
وهجيب سرير جديد أحسن من القديم.

وهعمل أي حاجة إنتوا عايزينها.
قربت ليلى مني أكتر.
وقلت
الحيطان ممكن حد غيرك يصلحها.
نادية سكتت.
قلت
والسرير ممكن نجيب غيره.
بصيت في عينيها.
الحاجة اللي إنتِ محتاجة تصلحيها مش الأوضة.
إنتِ محتاجة تعرفي هل تقدري تبصي لحفيدتك وتحبيها زي ما هي…
من غير ما تتمني في سرك إنها كانت غير كده.
نادية عينيها اتمَلّت بالدموع.
قلت
ولحد ما تعرفي تعملي كده…
مش هترجعي حياتنا بالشروط اللي إنتِ عايزاها.
نادية معرفتش ترد.
وفي النهاية…
مشيت.

فضل أحمد واقف جنبي بعد ما الباب اتقفل وراها.
بصلي وقال
أنا آسف.
مردتش.
كمل
كان المفروض أوقفها من أول تعليق قالته وإنتِ حامل.
بصيتله وقلت
فعلًا.
هز راسه.
مجادلش.
مقالش أنا مكنتش أعرف.
ومطلبش مني أسامحه في اللحظة دي.
ومحاولش يخليني أنا اللي أهونه وأقوله إن مفيش مشكلة.
بص ناحية ليلى.
وقال
مش هكرر الغلطة دي تاني.
الحاج محمود فضل معانا فترة.
وللمفارقة…

الراجل اللي نادية كانت فاكرة إن وجود حفيدة هيهدد إرثه، وهو نفسه اللي قرر بمراجعة إدارية حازمة أن تُجرّد من أي صفة اعتبارية لأن قيمة الإنسان بأفعاله وتربيته لا بنوعه، ساعد أحمد بنفسه يشيل سرير ليلى البايظ وينزله من البيت.
وفي الأسابيع اللي بعدها…
أحمد بدأ يصلح الأوضة.
رجع دهن الحيطان باللون الكريمي.
وجبنا ستاير جديدة.
وسرير جديد.
لكن كان فيه حاجة واحدة أصعب.
الورد الصغير اللي كنت رسمته بإيدي وأنا حامل.
أحمد قرر حاول يرجعه.
جاب الألوان.
وقعد يقلد الرسومات من الصور القديمة.
لكن أول كام وردة رسمهم…

كانوا بشعين.
بصيت عليهم.
وبصيتله.
ولأول مرة من يوم ما رجعت من المستشفى…
ضحكت.
ضحكت من قلبي.
أحمد نفسه ضحك وقال
خلاص، أمسح المصيبة دي وأجيب حد محترف يرسمهم.
قلتله
لأ.
استغرب.
قلت
سيبهم.
وفي الآخر، مخليناش كل الرسومات اللي عملها.
لكن احتفظنا بتلات وردات صغيرين معوجين جنب الشباك.
كانوا بعيد جدًا عن الورد الجميل اللي رسمته قبل الولادة.
لكن بالنسبالي…
كانوا أحلى.
كل يوم كنت بقعد على الكرسي جنب الشباك وأنا شايلة ليلى.
وأشوف التلات وردات دول.

وليلى تنام تحتهم بهدوء.
طفلة مطلوبة.
ومحبوبة.
مش لأنها الجيل الخامس.
ومش لأنها هتورث شركة.
ومش لأنها لازم تحقق حلم حد.
لكن لأنها هي ليلى.
زي ما هي بالظبط.
وساعتها فهمت أخيرًا إن إرث العيلة الحقيقي عمره ما كان اسم شركة بيتنقل جيل بعد جيل بناءً على التفضيل الشخصي.
الإرث الحقيقي…
هو الحاجة اللي إحنا بنسيبها في قلوب ولادنا بعدنا.
وأول حاجة كان لازم بنتي تعرفها عن عيلتها…
إن مكانها في العيلة وفي الشغل مش محتاج إثبات لأي حد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى