
قلت له إن الرجل الذي كان من المفترض أن يستقبلها لم يتصرف كما ينبغي، وإننا لم نتركها وحدها، وإننا تحدثنا مع شركة الطيران، وإن هناك رحلة ستغادر قريبًا وقد حجزنا لها مقعدًا.
كلما كنت أشرح، كان صوته يتغير.
وفي لحظة لم يعد يستطيع أن يخفي تأثره.
سمعت بكاءه.
قال
أختي… أختي عملت إيه علشان يحصل لها كده؟
لم أعرف ماذا أقول.
قلت له
الحمد لله إنها بخير. أهم شيء الآن إنكم تستقبلوها وتكونوا جنبها.
ظل يشكرني.
قال
جزاكم الله خير… والله مش عارف أقول لكم إيه.
قلت
ولا تقول حاجة. إحنا عملنا الواجب.
ثم قال
أنا طالع حالًا على المطار أجيبها.
قلت له
كويس جدًا، وخلي بالك منها. هي متأثرة جدًا.
ثم ترددت قليلًا قبل أن أضيف
ولو تقدر، ما تدخلهاش وسط تجمع كبير أول ما توصل. خلّيها ترتاح الأول، لأنها مرت بيوم صعب.
فهم ما أقصده.
قال
أكيد… أكيد.
ظل يشكرني مرة أخرى.
ثم قلت له
هي جنبي، هديها التليفون تكلمك.
أعطيتها الجوال.
أمسكته بيد مرتجفة.
قالت
ألو…
جاء صوت أخيها من الطرف الآخر.
لم نكن نسمع كل ما يقول، لكننا كنا نرى وجهها.
قالت
حاضر يا أخويا.
سكتت.
ثم قالت مرة أخرى
حاضر.
وبعد لحظة
أنا كويسة.
كانت تقول إنها بخير، لكن وجهها كان يقول شيئًا آخر تمامًا.
قالت
ما تقولش لماما دلوقتي… حاضر.
ثم سكتت طويلًا.
بدأت دموعها تنزل من جديد.
قالت
أنا جاية.
ثم أعادت
الهاتف لي.
لم تكن قادرة على الكلام أكثر.
انتهت المكالمة.
بقيت دقائق قليلة فقط على موعد دخولها.
جلسنا معها.
لم نسألها أي أسئلة.
لم نسألها ماذا ستفعل بعد العودة.
ولم نسألها إن كانت ستسامح أو لن تسامح.
ولم نسألها عن تفاصيل عقد الزواج.
في تلك اللحظة لم يكن الوقت وقت أسئلة.
كان المطلوب فقط أن تشعر أنها ليست وحدها.
نادى موظفو المطار على المسافرين.
وقفت.
حملت حقيبتها الصغيرة.
أما الحقائب الكبيرة فقد ساعدناها في ترتيبها.
سارت باتجاه بوابة الجوازات.
وقبل أن تدخل توقفت.
التفتت إلينا.
نظرت إلى كل شخص وقف معها.
لم تقل شكرًا بصوت واضح.
ربما لأنها لم تستطع.
لكن نظرتها كانت تحمل كلامًا أكثر بكثير من أي كلمة.
رفعت يدها إشارة صغيرة.
كانت إشارة إنسانة عاشت خلال ساعات قليلة ما لم تتوقع أن تعيشه في يوم كانت تنتظره منذ شهور.
بدت وكأنها تقول لنا
لن أنسى أنكم وقفتم معي.
وبدت في الوقت نفسه وكأنها تريد أن تقول للرجل الذي تركها
الله بيني وبينك.
ثم دخلت.
اختفت خلف بوابة الجوازات.
لكنني لم أستطع أن أغادر.
قال لي أحد الموجودين
خلاص، هي دخلت.
قلت
هستنى لحد ما الطيارة تطلع.
جلست في المطار.
كانت الصور كلها تعود أمام عيني.
منذ ساعات قليلة رأيتها على متن الطائرة.
كانت عروسًا بفستان أبيض.
تجلس بتوتر.
ربما كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكننا كنا نلاحظ أنها تنظر إلى الساعة كثيرًا.
وكانت كلما مرت دقيقة اقتربت أكثر من الرجل الذي بنت في ذهنها صورة كاملة عنه.
تذكرت عندما تحدث قائد الطائرة وبارك لها.
تذكرت ابتسامات المسافرين.
تذكرت الهدايا.
تذكرت أن بعض الناس كانوا ينظرون إليها بسعادة، وكأنهم يشاركونها فرحتها.
لم يتخيل أي واحد منا أن هؤلاء المسافرين أنفسهم سيقفون بعد ساعتين فقط يحاولون جمع ثمن تذكرة عودتها.
هذا هو أكثر ما جعل الموقف عالقًا في ذهني.
كم يمكن أن تتغير حياة الإنسان في دقائق؟
في الطائرة الأولى، كانت تحسب الوقت حتى الوصول.
وفي الطائرة الثانية، ربما كانت تتمنى لو أنها لم تأتِ أصلًا.
في الرحلة الأولى، كانت تحمل فستانها الأبيض بفخر.
وفي رحلة العودة، كان الفستان مطويًا داخل حقيبتها.
في الرحلة الأولى، كان أهلها ينتظرون مكالمة تقول لهم فيها
وصلت بالسلامة.
وفي رحلة العودة، كان أخوها يقود سيارته نحو المطار وهو يحاول أن يفهم كيف تحولت فرحة الأسرة إلى هذا الموقف.
جلست أنتظر.
كلما رأيت طائرة تتحرك كنت أنظر إلى شاشة الرحلات.
وفي النهاية ظهر أن رحلتها بدأت في المغادرة.
وقفت أنظر من خلف الزجاج.
تحركت الطائرة ببطء.
ثم أسرعت.
ثم ارتفعت عن الأرض.
ظللت أتابعها حتى ابتعدت.
وقتها فقط شعرت بشيء من الراحة.
قلت في نفسي
الحمد لله… على الأقل رجعت لأهلها.
غادرت المطار.
لكن القصة لم تغادر ذهني.
في الأيام التالية كنت أتذكر ملامحها كثيرًا.
أتذكر كيف جاءت.
وكيف عادت.
وأتذكر الرجل الذي كان من المفترض أن يكون أول من يحميها ويطمئنها في بلد غريب، فإذا به يتركها أمام الناس ويرحل.
كنت أسأل نفسي
كيف يستطيع إنسان أن يفعل ذلك؟
حتى لو لم تعجبه.
حتى لو رأى أن الصورة التي وصلته مختلفة عن الواقع.
حتى لو شعر أن هناك خطأ ما.
أليس هناك طريقة محترمة للحديث؟
أليس هناك أهل يمكن الاتصال بهم؟
أليس هناك وقت للتفاهم؟
أليس هناك احترام لعقد تم؟
أليس هناك احترام لإنسانة قطعت المسافة كلها وهي تعتقد أنها ذاهبة إلى بيت زوجها؟
لماذا كان لابد أن يكون الموقف بهذه القسوة؟
لماذا يرفع صوته أمام الناس؟
ولماذا يتركها وحدها في مطار لا تعرف فيه أحدًا؟
فالخلاف شيء، وإهانة إنسان شيء آخر تمامًا.
قد لا يرتاح شخص لشخص آخر.



