
طلبنا مقابلة المسؤول، وبعد دقائق حضر مدير الفرع.
سألنا
خير يا جماعة؟
بدأنا نشرح له القصة.
قلنا له إن هذه الفتاة وصلت منذ قليل، وإنها كانت قادمة إلى زوجها، وإن ما حدث عند باب المطار جعلها الآن تريد العودة إلى بلدها فورًا.
كان يستمع إلينا بتركيز شديد.
وفي البداية ظهرت على وجهه علامات عدم التصديق.
سأل
يعني هي وصلت اليوم؟
قلنا
نعم، من دقائق فقط.
نظر إلى العروس.
كانت جالسة على أحد المقاعد، ممسكة بحقيبتها الصغيرة بكلتا يديها، ولا تتحدث.
اقترب منها قليلًا وقال
يا بنتي، أنتِ عايزة ترجعي بلدك؟
هزت رأسها.
قال لها
ما تقلقيش، هنحاول نساعدك.
ثم عاد إلينا وقال
في طيارة طالعة
بعد حوالي ساعة. هنشوف لو فيها مقعد.
كانت هذه الجملة بالنسبة لنا أول خبر جيد منذ بداية الموقف.
بدأ الرجل يتحدث مع الموظفين.
فتحوا النظام أمامهم، وبحثوا عن الرحلة، وبدأوا يتأكدون من المقاعد المتاحة.
كنا واقفين ننتظر.
أما العروس فكانت تجلس بعيدًا قليلًا، وكأنها لا تهتم الآن بأي شيء سوى أن ينتهي اليوم وتجد نفسها بين أهلها.
بعد عدة دقائق، رفع مدير الفرع رأسه وقال
في مقعد.
تنفسنا جميعًا براحة.
قلنا
الحمد لله.
لكن ظهرت مشكلة أخرى.
التذكرة تحتاج إلى ثمن.
اقترب أحدنا من العروس وسألها
معكِ فلوس تكفي للتذكرة؟
رفعت رأسها وقالت بصوت منخفض
لا.
كانت كلمة قصيرة، لكنها جعلتنا جميعًا ننظر إلى بعضنا.
ربما كانت تحمل معها مبلغًا بسيطًا يكفي احتياجاتها الشخصية، وربما كانت تعتقد أن زوجها سيكون في انتظارها، وأنها لن تحتاج إلى شراء تذكرة عودة في اليوم نفسه.
ومن كان يمكن أن يتوقع أصلًا أن تحتاج إلى تذكرة عودة بعد دقائق من وصولها؟
قال أحد الرجال
ولا يهمك.
أخرج محفظته ووضع مبلغًا من المال.
وقال آخر
وأنا معك.
ثم أخرج ثالث جزءًا آخر.
وبدأنا نجمع ثمن التذكرة بيننا.
لم يسأل أحد الآخر لماذا يدفع.
في تلك اللحظة لم نكن نفكر إلا في شيء واحد ألا تبقى هذه الفتاة وحدها في المطار.
مدير الفرع نفسه كان يتابع ما يحدث.
وعندما رأى أن المبلغ لم يكتمل، أخرج من جيبه جزءًا من المال وقال
أنا أدفع الباقي.
وفي النهاية دفع ما يقارب ربع قيمة التذكرة.
نظرنا إليه وشكرناه.
فقال
يا جماعة، دي بنت غريبة في بلدنا، والواجب إننا نساعدها.
أنهينا إجراءات الحجز.
أصبحت هناك تذكرة باسمها على الرحلة التي ستغادر بعد قليل.
كان من المفترض أن يكون هذا اليوم يوم استقبالها وبداية استقرارها، فإذا بها بعد وقت قصير تحمل بطاقة سفر للعودة إلى المكان
الذي جاءت منه.
ثم جاء وقت العودة إلى الجوازات.
كان المشهد غريبًا ومؤلمًا.
قبل فترة قصيرة مرت من المكان نفسه
وهي تدخل البلاد للمرة الأولى في تلك الرحلة، تحمل جواز سفرها وتنتظر ختم الدخول.
ربما كانت وقتها تبتسم.
ربما كانت تنظر إلى الساعة كل دقيقة.
ربما كانت تتساءل
هل ينتظرني عند الباب؟
كيف سيكون اللقاء؟
ماذا سيقول عندما يراني؟
هل سيبتسم؟
هل سيأخذ حقائبي؟
هل سيخبرني أن الرحلة كانت طويلة وأنه كان ينتظرني بفارغ الصبر؟
أما الآن، فقد عادت إلى الشباك نفسه تقريبًا، لكن كل شيء تغير.
الوجه نفسه لم يعد يحمل الفرحة.
الخطوات نفسها أصبحت ثقيلة.
الحقائب نفسها أصبحت عبئًا.
حتى جواز السفر الذي كانت تمسكه قبل دقائق بحماس، أصبحت تمسكه الآن وكأنه مجرد ورقة ستخرجها من مكان لا تريد أن تتذكره.
وقفت أمام موظف الجوازات.
نظر إلى الأوراق، ثم نظر إليها.
ربما استغرب أنها دخلت البلاد قبل وقت قصير، وها هي تغادرها سريعًا.
تمت الإجراءات.
وبقيت أمامنا دقائق قبل دخولها إلى بوابة السفر.
لكن قبل أن تذهب، خطر في بالي أمر مهم.
كيف ستصل إلى مطار بلدها ولا يوجد أحد يعرف ما حدث؟
أهلها بالتأكيد يظنون أنها الآن بدأت حياتها مع زوجها.
وربما ينتظرون اتصالًا منها تطمئنهم فيه أنها وصلت بخير.
اقتربت منها وقلت
اسمعي يا بنتي، لازم نكلم أهلك. ما ينفع توصلي المطار وما يكونش حد مستنيك.
نظرت إلي.
قلت لها
هاتي رقم البيت أو رقم أخوك.
وهنا حدث شيء لم أنسه.
بدأت تحاول أن تتذكر الرقم.
رقم بيت عاشت فيه سنوات طويلة.
رقم ربما كانت تعرفه عن ظهر قلب.
لكن شدة الارتباك جعلتها تتردد.
قالت عدة أرقام ثم توقفت.
وضعت يدها على رأسها.
قالت
استنى… استنى شوي.
لم نستعجلها.
قلنا لها
خذي وقتك.
ظلت تحاول.
وبعد لحظات تذكرت الرقم.
أعطتنيه.
اتصلت.
ظل الهاتف يرن.
كل ثانية كانت تمر ونحن ننتظر من يرد كانت تبدو طويلة.
وأخيرًا جاء صوت رجل من الطرف الآخر.
قلت
السلام عليكم.
رد
وعليكم السلام.
سألته عن اسمه.
ثم قلت
حضرتك أخو فلانة؟
قال
نعم،
خير؟ هي وصلت؟
كان واضحًا من صوته أنه ينتظر خبرًا يطمئنه.
ترددت للحظة.
كيف يمكن أن تخبر أخًا أن أخته التي ودعها قبل ساعات وهي ترتدي فستانها الأبيض ستعود إليه بعد قليل في الطائرة نفسها تقريبًا؟
لم أرد أن أخبره بطريقة مفاجئة.
قلت له
الحمد لله هي بخير، وهي معنا الآن في المطار.
قال بسرعة
بخير؟ في إيه؟
قلت
ما تقلقش، هي بخير وما حصل لها شيء، لكن حصل ظرف، والأفضل إنها ترجع لكم الآن.
سكت للحظة.
ثم قال
إيه اللي حصل؟
بدأت أشرح له بهدوء.




