
هي كمان خايفة. خايفة تخسر بنت بتحبها. في يوم، كريم طلع الدبدوب القديم بتاع مروة. مريم كانت نازلة من فوق. كريم مد إيده بالدبدوب. — فاكرة ده؟ مريم بصتله. — لأ. — كنتِ بتنامي وهو جنبك كل يوم. كريم مسك الدبدوب. — بصي هنا… الخياطة دي نادين عملتها تلات مرات. مريم رجعت خطوة. كريم قال: — لو إنتِ مروة… قاطعته: — كفاية. أنا بصيتله: — كريم. قال: — أنا بحاول أخليها تفتكر.
قلت: — لأ. إنت بتحاول تخلي نفسك تحس إنها فاكرانا. سكت. وبعدين بصيت لمريم: — إنتِ مش مطالبة تفتكري أي حاجة عشان ترضينا. هزت راسها. كريم قعد. وبعد لحظات قال: — أنا آسف. مريم ما ردتش فورًا. وبعدين قالت: — ماشي. كانت إجابة صغيرة.
بس كانت كفاية. بعد يومين، النتيجة وصلت. التحليل أكد إن مريم بنتنا بيولوجيًا. مروة كانت عايشة.
أول ما الخبر اتأكد، مريم بدأت تعيط. ومنى مسكت إيدها.
وبعدين مريم مسكت إيد منى بقوة. أنا حسيت بألم غريب جوايا. جزء مني كان عايز ياخدها في حضني ويقول: “أخيرًا رجعتيلي.” لكن لما بصيت لها… مدت إيدها التانية ناحيتي. مسكتها. من غير ما أشدها ناحيتي. من غير ما أطلب منها تختار. مجرد مسكت إيد بنتي. ساعتها فهمت حاجة مهمة: العشر سنين اللي عاشتها مع منى مش هتختفي لمجرد إن التحليل أثبت إنها بنتي. ومنى مش هتبقى غريبة لمجرد إن أنا أمها البيولوجية.
هي كانت أمها في عشر سنين أنا ما كنتش موجودة فيهم. بعد أسبوع، عملنا تجمع صغير في بيتنا. واحدة من قرايبي سحبتني على جنب وسألتني: — إمتى هترجع تعيش معاكي؟ بصيت لها. — يعني إيه؟ — يعني… إمتى هتاخدي بنتك؟ مريم كانت قريبة وسمعت. ومنى كانت موجودة.
قلت: — متتكلميش عنها كأنها حاجة كانت مستعارة. قريبتي واطت صوتها: — بس دول مش أهلها الحقيقيين. بصيت لمريم. وبعدين بصيت لمنى وحسام.
— هما ربوها. — بس هي بنتك. قلت: — وهي بنتهم برضه. سكت المكان. كملت: — محدش هيمسح عشر سنين من حبهم عشان أنا خسرت العشر سنين دول. بالليل، مريم لقتني قاعدة لوحدي في البلكونة. قعدت جنبي. وقالت: — إنتِ كنتِ بتتكلمي بجد؟ — في إيه؟ — لما قلتي إنهم لسه أهلي؟ ابتسمت. — طبعًا. سكتت شوية، وبعدين سألتني: — إنتِ عايزاني أعيش معاكي؟ السؤال وجعني. لأن كل جزء أناني جوايا كان بيصرخ:
“أيوه.” لكن قلت: — أنا عايزة كل يوم ضاع مني. وبعدين بصيت لها: — بس الأيام دي مش من حقي أرجعها بالعافية. بصتلي. كملت: — إنتِ عندك حياة. عندك أهل، وصحاب، وذكريات، واسم اخترتي تكملي بيه. وأنا مش عايزة إن العثور عليكي يبقى سبب إني أخسرك من جديد. دموعها نزلت. — يعني مش لازم أختار؟ — لأ. — حتى لو ناديت منى ماما؟ ابتسمت رغم دموعي. — خصوصًا لو ناديتها ماما.
سكتت شوية.
وبعدين سألتني: — طب أناديكي إيه؟ ضحكت. — نادين لحد ما إنتِ تقرري غير كده. ابتسمت. بعد شهور، كانت مريم قاعدة على أرضية الصالة عندي، وأنا بفتح صندوق الذكريات القديم بتاع مروة. الصندوق كان فيه حاجات صغيرة كنت محتفظة بيها طول السنين. إسورة بلاستيك. كتاب أطفال. وجزمة صغيرة جدًا. مريم مسكت الجزمة وبصت لها باستغراب. — رجلي كانت صغيرة للدرجة دي؟ ضحكت. — آه. طلعت فستان أطفال قديم.
مسكته قدامها وقالت: — مستحيل كنت بلبس ده!
ضحكت. — إنتِ كنتي بتكرهيه. بصيتلها وسكت لحظة. — مروة كانت بتكرهه.
مريم بصتلي. وبعدين قالت: — لأ… أول مرة كنتِ صح. اتجمدت. مسحت إيديها على الفستان. وسألت: — حصل إيه وأنا لابساه؟ بصيت للبنت اللي قاعدة قدامي. مش الطفلة اللي فضلت عشر سنين مستنياها ترجع. ومش الغريبة اللي وقفت قدام باب بيتي من شهور. دي بنتي. بس بنتي اللي كبرت من غيري.
قلت: — عايزة تعرفي بجد؟ هزت راسها. وحكيت لها. حكيت لها عن الجزمة اللي كانت بتخلعها تحت الترابيزة. وعن إنها كانت بتستخبى ورا أبوها عشان ما بتحبش تتصور. وعن اليوم اللي كبّت فيه العصير على الفستان وبعدها فضلت تضحك كأنها عملت أعظم إنجاز في حياتها. مريم ضحكت. وبعدين سألتني سؤال تاني. وبعده سؤال تالت. وساعتها فهمت إن طول العشر سنين اللي فاتوا، أنا كنت بتخيل إن مروة هترجعلي زي ما اختفت…
طفلة عندها أربع سنين، تجري عليا وتناديني ماما.
لكن الحياة ما رجعتليش المعجزة دي. رجعتلي حاجة أصعب… بنت كبرت. بنت بتحب أم تانية. بنت عندها ذكريات أنا مش موجودة فيها. وبنت اختارت اسم عاشت بيه عشر سنين. ولأول مرة، لما بطلت أحاول أرجعها للماضي… بقى عندنا مكان نبدأ منه المستقبل. مريم حطت الفستان في حضني وقالت: — كملي. بصيتلها وابتسمت. وكمّلت. لأني ما بقيتش مستنية مروة الصغيرة ترجع البيت… أنا أخيرًا بدأت أتعرف على مريم اللي كبرت قدامي.


