
الضابط أخد نفس عميق، وبص للحاجة فاطمة بنظرة فيها خليط غريب بين الشفقة والصدمة. ساد هدوء مريب في المكان، وموظفين الأمن والمسافرين في الطابور كلهم عينيهم متعلقة بالمشهد. الحاجة فاطمة كانت واقفة جسمها كله بيرتعش، طرحتها الباهتة نازلة شوية على عينها، ودموعها نازلة بغير حساب على خدوها اللي انكمشت من سنين العافية والتعب. «تعالي معايا يا حاجة لو سمحتي، وادخلي جوه في المكتب المكيّف استريحي.» الضابط قالها بصوت هادي جدًا، بعكس شدته من شوية.
الست صرخت بكسرة: «أنا عملت إيه يا بني؟ والله العظيم أنا رايحة لأحفادي! أنا مش بتاعة مشاكل، طول عمري في حالي من يوم ما أبوهوم مات وأنا ماليش غير ربنا وبنتي دي!» أخدوها على مكتب جانبي بعيد عن طابور التفتيش. الضابط مسك التليفون بتاعه وطلب حد من قسم المباحث، وزميله التاني أخد الشنطة القديمة الرمادي ودخل بيها وراهم ورزع الباب بالراحة. أنا طبعًا كنت واصل للمرحلة اللي مش قادر أتحرك فيها، الفضول كان هيمو.تني، بس أمناء الشرطة بدأوا يمشوا الناس ويفتحوا طوابير تانية عشان الحركة ماتعطلش.
جوه المكتب، قعدت الحاجة فاطمة على كرسي جلد أسود، إيديها على ركبتها وبتنهد بحسرة. الضابط حط موبايلها قدامها على المكتب، وفتح شاشة المحادثة بينها وبين بنتها اللي اسمها “سمر”. الرسالة الأخيرة اللي قراها الضابط على الشاشة وماخلتش الحاجة فاطمة تشوفها كانت بتقول: (يا ماما.. الشنطة اللي جابهالك الواد سيد صاحبي، دي أمانة مهمة أوي. أول ما تصلي هناك ماتفتحيهاش خالص، فيه واحد صاحبي هييجي ياخدها منك في المطار أول ما تخرجي.. وماتقوليش للعيال إني مش موجودة، قولي لهم إني مسافرة تبع شغل عشان مايقلقوش عليكِ).
الضابط قعد قصادها على الكرسي وبص لها في عينها مباشرة: «يا حاجة فاطمة… بنتك سمر فين؟» الحاجة فاطمة اتفاجئت بالسؤال، وحركت إيدها بتلقائية: «في الشقة هناك يا بني! في دبي… مستنياني مع العيال، هدى وإياد. هي بعتتلي التذكرة والشنطة مع واحد صاحبها جه لحد البيت في القليوبية واداني التذكرة والفلوس وقاللي دي الشنطة اللي بنتك جابهالك عشان تجمعي فيها الهدايا وتيجي.» الضابط سكت، وبعدين طلع تقرير سري من دراج المكتب وبدأ يبص فيه، ورجع بص للموبايل تاني. وقالها بأسلوب هادي عشان ما يقطعش قلبها مره واحدة:
«يا حاجة فاطمة… بنتك سمر مش في الإمارات أساسًا.»
«إيه؟!» الست عينها وسعت ودقات قلبها بقت مسموعة في الأوضة. «إزاي يا بني؟ أمال هي فين؟ دي بيكلمني كل يوم على الواتساب وبتقوللي العيال بيلعبوا جنبي!» الضابط اتنهد ونادى على زميله: «يا رئيس مباحث… هات لي الواد اللي ماسكينه في قضايا الجلب من أسبوع، وشوف لي خط سير التذكرة دي اتجزت منين بالظبط.» وبعدين التفت للحاجة فاطمة وقالها الحقايق اللي كانت مستخبية تحت قاع الشنطة الرمادي:
«بنتك يا حاجة متورطة مع شبكة تهريب مواد مخدرة خطيرة جدًا بين الدول. وبنتك محبوسة أساسًا في سجن بره مصر من أسبوعين في قضية تانية خالص! والرسائل اللي بتجيلك دي… مش بنتك اللي بتبعتهالك. ده التشكيل العصابي اللي هي شغالة معاه، هم اللي واخدين تليفونها وبيكلموكي بأسلوبها عشان يستغلوكي!» الحاجة فاطمة لسانها اتعقد. الكلمات اتجمدت في حلقها. حست إن السقف بيقع عليها، والأرض بتتزلزل تحت رجليها. «بنتي؟ سمر؟ سمر الطيبة اللي مربياها على اللقمة الحلال؟ يستغلوني أنا؟ إزاي… إزاي يا بني أنت بتقول إيه؟!»
الضابط بدأ يوضح لها بالراحة وهو بيفتح القاع المزدوج للشنطة قدام عينها بالمشرط: «الشنطة دي… مصنوعة بأسلوب محترف جدًا. القاع المزدوج ده محشوي بمادة “الهيروين” الخالص، بحوالي أربعة كيلو! القيمة المادية للكمية دي تساوي ملايين. العصابة عارفة إنك ست كبيرة ومسنّة، وملامحك طيبة، وأي ظابط تفتيش هيبص عليكِ هيقول دي ست بركة ورايحة تزور أحفادها ومش هيشك فيكِ لحظة. هم كانوا بيستخدموكي كـ “كارت بلانش” أو كبش فداء عشان يعدوا الكمية دي من مطار القاهرة ويوصلوها بره!»
ساعتها الحاجة فاطمة صرخت صرخة شقت الهدوء اللي في المكتب: «يا لهوي يا بنتي! يا خرابي يا ناس! أنا كنت هروح السجن؟ أنا كنت ههرب سموم للعيال؟!» لمحة نيوز
بدأت تلطم على خدودها بنحيب يقطع القلب. كانت المأساة مش بس إنها اتخدعت، المأساة إنها اكتشفت إن بنتها الوحيدة اللي كانت فاكراها حنينة وبتبرها، ضحت بيها وبسنين عمرها، واستخدمت طينتها وطيبتها كغطاء لعملية تهريب قذرة، بل والأدهى والأمر… إن بنتها محبوسة بعيد، والأحفاد الصغيرين مرميين عند جيران أو ناس مايعرفوهمش في دولة تانية!
الضابط جاب لها كوباية مية وهداها: «اهدي يا حاجة… اهدي واشربي. الحمد لله إن الجهاز كشف اللعبة هنا قبل ما تركبي الطيارة. عارفة لو كنتِ ركبتِ ووصلتِ هناك والشرطة اللي هناك قفشتك؟ كانت عقوبتك هتكون الإعدام أو السجن المؤبد، وماكانش حد هيصدق إنك ما تعرفيش حاجة لأن الشنطة معاكِ والأمانة معاكِ!» الست كانت بتشرب المية وإيدها بتهتز، المية تقع على هدومها، وعينها زاغية. «والعيال… هدى وإياد؟ العيال فين يا بني؟»
«العيال تحت رعاية السلطات هناك، ودلائل القضية دي هي اللي هتحدد مصيرهم. بس أنتِ لازم تتكلمي معانا دلوقتي بكل كلمة وكل تفصيلة: مين الواد اللي جابلك الشنطة في القليوبية؟ شكله إيه؟ جه الساعة كام؟ ونزل من عربية نوعها إيه؟» هنا بدأت الحاجة فاطمة تستجمع قواها المتهالكة. الأمومة والطيبة اتحولوا لجرح عميق، بس رغبتها في إنها تنقذ نفسها وتعرف طريق أحفادها خلتها تتكلم.
«يا بني… الواد ده اسمه سيد. بييجي للبت بنتي في الإجازات، ولد طويل وأسمر، وعند علامة في وشه عند عينه الشمال. جه عندي القليوبية يوم التلات اللي فات بالليل، وقاللي: (يا حاجة، سمر بنتك بتبعتلك السلام، وأدي التذكرة وأدي الشنطة دي.. الشنطة دي فيها هدايا وهي بتقولك حطي هدومك فوقيها وما تفتحيش القاع عشان الحاجات مترتبة بخطة معينة). وأنا يا بني من خيبتي وطيبتي صدقته! قلت ده صحاب بنتي وبيخدموها! واداني خمسمية جنيه وقاللي دي مصاريف السكة للتاكسي!»
الضابط كتب كل كلمة بسرعة على ورق التقرير، وبص لزميله: «عمم أوصاف الجاني فورًا، وراجع كاميرات المراقبة في الموقف اللي في القليوبية والقرية اللي قالت عليها الحاجة. هاتوا لي بيانات الواد “سيد” ده من أرشيف المسجلين خطر فورًا!» خلال أقل من نص ساعة، التحريات كانت شغالّة وزي النار في الهشيم. كشفوا إن “سيد” ده عنصر خطر في شبكة تهريب دولية، وكان هو الخيط اللي بيدير العمليات دي داخل مصر، وكان بيستغل أهالي الضحايا اللي مايعرفوش حاجة عن تجارة عيالهم القذرة.
الضابط التفت للحاجة فاطمة وقالها: «يا حاجة فاطمة… أنتِ كده متهمة رسمية في قضية تهريب مواد مخدرة بحكم إن الشنطة كانت في إيدك، ولكن… اعترافك الأولي، ومعاينتنا للرسائل، وطبيعة الشنطة المصنوعة بتعقيد مش ممكن ست في سنك تقدر تعمله بنفسها، ده كله هيتقدم للنيابة العامة مع التقرير. إحنا هنحفظ حقوقك، وهتكوني تحت الحراسة لحد ما النيابة تحقق وتثبت حسن نيتك وإنك مخدوعة.»
الحاجة فاطمة هزت راسها بكسرة ودموعها مش راضية تقف: «اعملوا اللي تعملوه يا بني… أنا خلاص الدنيا هانت في عيني. البت اللي كبرتها وسهرت عليها الليالي، تبيعني عشان شوية فلوس وحرام؟ تخلي أمها اللي قربت تقابل ربنا تبقى تجار مخدرات؟ يا خسارة تربيتي ويا خسارة تعبي!»
مرت الساعات ثقيلة جدًا. الشنطة الرمادي القديمة اللي كانت رايحة تفرح عيال صغيرين، بقت الدليل الدامغ على جر.يمة بشعة. التحقيقات أثبتت بالفعل إن الحاجة فاطمة كانت مجرد مجني عليها وضحية لخديعة خبيثة، والنيابة العامة قررت الإفراج عنها بضمان محل إقامتها بعد ما أمن الدولة والبحث الجنائي قدروا يوصلوا للواد “سيد” ويقبضوا عليه في شقة مفروشة في بنها، وبحوزته كميات تانية ومبالغ مالية ضخمة. في لحظة خروج الحاجة فاطمة من سراي النيابة، كانت ماشية خطوة بخطوة، ظهرهـا انحنى أكتر من الأول بسنين. ما بقتش مسافرة، ولا بقوا العيال هينزلوا يحضنوها في مطار دبي، ولا الهدايا اللي في الشنطة اتفتحت بضحكات الأطفال.
وقفت قدام باب النيابة، بصت للسما وقالت بصوت مكسور يهد الجبال: «يا رب… أنا سامحتها على اللي كانت هتعمله فيا، بس أنت الحكم العدل… احمي العيال الصغيرين من الذنب اللي مالهمش فيه يد، ورجعهم لحضني حلال طيب من غير شر.» خرجت الحاجة فاطمة ورجعت قريتها في القليوبية، مش حمالة هدايا، لكن حمالة وجع وأسى، وعبرة لكل حد ممكن يثق في حد في زمن أعمى… والشنطة الرمادي فضلت في حرز النيابة، شاهدة على إن أقسى ضربة ممكن تجي لك في حياتك… هي اللي بتجيلك من إيد أكتر بني آدم افتكرت إنه بيحبك!تمت




