روايات

مواجهه حماتي

خالي رشاد راجل تاجر وفاهم الدهب والأصول، قرب من الطاولة، مسك سبيكة وبص لختمها، وبص للدفتر المكتوب فيه الأسماء، وبعدها رفع عينه لمعتز وقال ببرود قاتل دهب مهرب بدون دمغة مصلحة الموازين، ودفتر استلامات بأسماء تجار خان الخليلي والمشهد الحسيني.. دي البضاعة اللي اختفت من خمس سنين لما حما طارق اتوفى فجأة وشركاه قلبوا الدنيا عليها.
خالي لف لطارق وقال له أبوك الله يرحمه كان واقع في مصيبة تهريب، ومات قبل ما يسويها، وأمك ومعتز ده شالوا المصيبة دي..

ولما اتزنقوا وخافوا من التفتيش أو الحكومة تشم خبر، أمك استغلت جهاز بنتي الغلبانة اللي أمها جايباه بشقاها، ورمت البلا في كراتينها وتحت سريرها عشان لو وقعت، بنتي هي اللي تشيلها!
طارق وقع على ركبه على أقرب كرسي، حط إيده على راسه وبكى زي العيال الصغيرة والله العظيم ما كنت أعرف.. والله العظيم يا عمي رشاد ما كنت أعرف إنهم مدخلين نورهان في حاجة زي دي، أنا كنت فاكر حوارات ديون عادية ومعتز بيسويها!
معتز لما لقى المركب بتغرق، حاول ينط منها.. مد إيده ياخد شنطته والورق من على الترابيزة الموضوع ميهمنيش..

أنا محامي وبقوم بشغلي، والورق ده يخص ورثة وأنا هاخده وأمشي، وأنتوا صفوا حساباتكم العائلية مع بعض.
حسام أخويا كان أسرع منه، حط إيده على صدر معتز ورجعه مكانه بعنف تمشي فين يا شاطر؟ ده دخول الحمام مش زي خروجه! أنتي فاكر نفسك في فيلم عربي هتهدد وتهوش وتمشي؟ البوليس تحت العمارة أصلاً!
معتز اتنفض وبص للبلكونة برعب بوليس إيه؟ أنتوا طلبتوا النجدة؟
خالي رشاد طلع تليفونه، وبص لمعتز وقال له أنا مكلمتش النجدة العادية..

أنا مكلم العميد مدحت في مباحث الأموال العامة، وهو على وصول، لأن البضاعة دي مسروقة ومهربة، وإحنا ناس شرفا، ولادنا ميعيشوش في الحرام ولا يشيلوا شيلة حد.
الرعب اللي ظهر على وش معتز وحماتي في اللحظة دي كان كافي يشفي غليلي من كل إهانة ومن كل كلمة تقليص كانت حماتي بتقولهالي من يوم ما دخلت البيت ده.
معتز قعد على الأرض جنب رجل خالي، يتوسل يا حاج رشاد استهدى بالله! إحنا ولاد سوق ونفهم بعض.. الحاجة دي تتقسم، والفلوس اللي فيها تطلعوا بنصيبكم منها ونسيب البلد كلها ونمشي، بلاش حبس وفضايح، أنا عندي عيال!

خالي زقه بجزمته بعيد عنه وقال له بقرف فلوس الحرام سيبناها لأهلها.. بنتي خرجت من بيتي بكرامتها، وهترجع لبيتي بكرامتها وراسها مرفوعة، وشقى أبوها النضيف برقابكم كلكو.
بصيت لطارق.. كان باصصلي بنظرة رجا مكسورة، وقال بصوت متقطع نورهان.. هتمشي؟ هتسبيني في الليلة دي لوحدي؟ أنتي عارفة إني بحبك وإني مليش ذنب في وساخة أبويا وأمي!
وقفت قدامه، وبصيت في عينه بنظرة صافية تماماً، مفيهاش ذرة غل ولا ذرة ضعف إنت ملكش ذنب في اللي عملوه يا طارق.. بس ليك ذنب في إنك كنت سايب أمك تدوس على كرامتي وتتحكم في شقتي وأوضة نومي لحد ما وصلت لكدة.

اللي ميعرفش يحمي باب بيته وميعرفش يوقف أمه عند حدود الأدب والأمانة، ميستاهلش واحدة تشيل اسمه. جهاز أمي اللي كانت بتستكترة عليا تحت السرير ده شرفي وعزة نفسي، وأنتوا
كنتوا عايزين تحرقوني بيه.
خلعت الدبلة من صباعي، وحطيتها على الترابيزة جنب الدهب المهرب والسبائك حاجتي وقايمتي وجهازي هيخرجوا دلوقتي في العربيات اللي واقفة تحت.. والمباحث لما تيجي، أنا بنفسي هسلمهم التسجيل والصور عشان أثبت إن مفيش فتلة من العفن ده تخصني أنا ولا أهلي. وإنت يا طارق.. ورقتي توصلي على بيت أبويا بالمعروف، زي ما دخلنا بالمعروف.
مستنتش رده.

في ظرف ساعتين، كانت الأمور كلها اتحسمت بنظام وعدل مكنتش أحلم بيه.
عربيات الشرطة والمباحث جت، واستلمت معتز والدفاتر والدهب، والتسجيل اللي سجلته على موبايلي كان هو الدليل القاطع اللي برأني أنا وطارق تماماً من أي تهمة تستر أو حيازة، وحط معتز وحماتي في مواجهة صريحة مع قضية تهريب وتهرب جمركي وإخفاء أموال مسروقة.
وحماتي.. الست اللي كانت داخلة عليا بصلابة وجبروت تقولي ملكيش دعوة ده جهاز بنتي، نزلت في إيد المباحث وهي متغطية بملايتها من الكسوف، وجيران العمارة كلهم واقفين في البلكونات بيتفرجوا على اللي كانت عاملاها ست الستات وهي نازلة في بوكس الحكومة، والفضيحة مبقتش بجلاجل بس..

الفضيحة بقت على عينك يا تاجر وبحكم القانون.
شباب عيلتي، بإشراف خالي وحسام، طلعوا الشقة.. نزلوا كل كرتونة تخص جهازي، حتى الستائر والسجاد اللي ماما جابته، حطوه في العربيات. مسبتش ورايا غير الحيطان على المحارة، والأثاث اللي طارق كان جايبه من حر ماله سيبتهوله بما يرضي الله ومخدتش منه مسمار واحد مش بتاعي.
نزلت من باب العمارة وراسي مرفوعة للسما.
الهوا النضيف ضرب في وشي وأنا بركب عربية خالي جنب حسام. بصيت على الشباك اللي فوق، شباك الشقة اللي كنت فاكرة إني هعيش فيها وأبني حياتي..

حسيت بوجع خفيف في قلبي، بس الوجع ده كان مفيش جنبه حاجة قصاد راحة الضمير.
أمي كانت واقفة مستنياني على باب بيتنا القديم في شبرا، أول ما شافتني حضنتني وعيطت، وقالتلي حقك رجعلك يا قلب أمك.. واللي يخرج من بيت الحرام سليم، ربنا بيعوضه بالدهب الصافي اللي مبيصديش.
قعدت في سريري القديم وسط كراتيني وحاجاتي النضيفة، وأنا حاسة لأول مرة من سنين إني بنام مرتاحة البال.

العدل مكنش بس إن الحرامية يتعاقبوا والشرطة تاخدهم، العدل الحقيقي كان إني عرفت قيمة نفسي، وإن الست اللي تفرط في أدق تفاصيل كرامتها بحجة عشان المركب تمشي، بتصحى في يوم تلاقي المركب غرقت بيها في أوحل قاع.
حماتي ومعتز خدوا جزاءهم في المحاكم، وطارق بعت ورقتي بعد شهر ومعاها كل حقوقي مليم ينطح مليم من غير محاكم ولا قواضي لأنه عارف كويس إن بنتي وعيلتي أصحاب حق..
وأنا.. بدأت حياتي من جديد، بقلب نضيف، وجهاز مستور، وشمس بتطلع عليا وأنا حرة ومرفوعة الراس.

انت في الصفحة 6 من 6 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى