
وقلت
ارتاح يا بابا.
أنا بخير.
ولادك بخير.
ووعدك لسه عايش.
وقتها افتكرت أول ليلة عرفت فيها الحقيقة.
افتكرت المستشفى.
إيده الباردة.
صوته الضعيف.
وهو بيقول
اوعديني إنك هتسمعيني للاخر قبل ما تقرري تكرهيني.
وضعت يدي على الخاتم.
وقلت
أنا ما كرهتكش.
أنا حبيتك أكتر بعد ما عرفت الحقيقة.
وأدركت إن أكبر سر أخفته أمي عني ما كانش عن أب مجهول ولا عن ميراث.
كان عن رجل دخل حياتي كزوج لأمي، وخرج منها وهو أبويا الحقيقي في كل معنى يهم.
فتحي ما سابليش ثروة أعيش منها.
سابلي سيرة أعيش بيها.
سابلي أولادي يعرفوا إن الوفا مش كلام.
وسابلي ذكرى كل ما أتعب، أرجع لها وأفتكر إن ربنا ممكن يعوض الإنسان بطريقة ما يتوقعهاش.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
مين فتحي؟
ما بقولش
ده كان جوز أمي.
ولا بقول
ده الراجل اللي رباني.
بقول جملة واحدة
ده أبويا.
وبس.
لأن بعض العلاقات ما بتحتاجش شرح.
وبعض الناس ما تحتاجش ورقة تثبت مكانها في القلب.
فتحي دخل حياتي في وقت كنت فيه طفلة فقدت أمها.
ومشى منها وأنا امرأة عندي أولاد.
لكن المسافة بين اللحظتين كانت عمر كامل من الحب.
عمر كامل من الفطير بالسكر.
عمر كامل من المدرسة والمرض والنجاح والخوف والفرح.
عمر كامل من كلمة واحدة ما قالهاش كتير، لكنه عاشها كل يوم
أنا جنبك.
وأنا كبرت.
وهو كبر.
وبعدين مشي.
لكن وعده ما مشيش.
فضل معايا.
في بيتي.
في أولادي.
في كل مرة أعمل فيها فطير بالسكر.
وفي كل مرة حد من أولادي يقع فأجري عليه وأقوله
أنا هنا.
ساعتها بابتسم.
لأني بعرف إن الجملة دي مش جملتي لوحدي.
دي جملة ورثتها من فتحي.
والحكاية اللي بدأت بسر في غرفة مستشفى انتهت بحقيقة واحدة
إن الإنسان ممكن يولد من أب وأم…
لكن أحيانًا يحتاج عمر كامل عشان يعرف مين كان أبوه فعلًا.
وأنا عرفت.
فتحي كان أبويا.
وسيظل أبويا.
حتى لو غاب صوته.
حتى لو غاب كرسيه.
حتى لو فضيت إيده من إيدي.
لأن الأب الحقيقي مش دايمًا هو اللي يفضل واقف قدام عينيك.
أحيانًا يكون هو اللي علمك إزاي تكملي الطريق بعد ما يمشي.
وأنا كملت.
وكل ما أمشي خطوة جديدة، كنت أحس إن في حاجة جوايا بتقول
كملي يا صافي.
أنا جنبك.
وأنا عارفة الصوت ده كويس.
كان صوت فتحي.
وكان آخر ميراث سابهولي.
وأغلى حاجة في كل الحكاية.
الأمان.
وصلنا قدام البيت قبل الفجر بوقت قليل.
الشارع كان هادي بشكل غريب، والبيوت كلها مقفولة، إلا نور ضعيف طالع من شباك بعيد.
كنت ماسكة الصندوق في حضني، وعماد ماشي جنبي.
من ساعة ما قال لي إن تحت أوضتي القديمة فيه مكان مخبي، وأنا حاسة إن قلبي مش قادر يستحمل أسرار أكتر.
فتحت باب البيت.
دخلت.
كل حاجة كانت زي ما سبتها.
الصالون.
الترابيزة اللي كان فتحي بيقعد عليها.
الكرسي اللي كان بيحب ينام عليه بعد الغدا.
حتى البرواز اللي فيه صورتي وأنا طفلة كان لسه مكانه.
وقفت قدامه.
مديت إيدي ومسحت التراب عنه.
وقلت
وحشتني يا بابا.
عماد سكت.
وبعدين قال
لازم ندخل أوضتك.
دخلت الأوضة.
كانت لسه فيها بعض حاجاتي القديمة.
دولاب صغير.
سرير خشب.
وصندوق ألعاب كنت محتفظة بيه من طفولتي.
قعدت على الأرض.
فين المكان؟
عماد أشار للسرير.
حرّكيه.
حركناه بصعوبة.
ظهر جزء صغير من الأرضية مختلف عن باقي البلاط.
ركعت.
شلت القطعة الخشبية.
ظهر تجويف صغير.
وجواه صندوق معدني.
إيدي بدأت ترتعش.
طلعت الصندوق.
كان عليه قفل قديم.
حطيت المفتاح اللي أخدته من المخزن.
فتح.
جواه ظرف أبيض.
وصورة.
وسلسلة.
وصندوق صغير جدًا.
أول حاجة مسكتها كانت الصورة.
كانت أمي وهي حامل.
وبجانبها فتحي.
الاتنين كانوا بيضحكوا.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها
آخر صورة قبل ما تبدأ أصعب أيام حياتنا.
دموعي نزلت.
فتحت الظرف.
وكان مكتوب عليه
لبنتي صافي… لما تبقي مستعدة.
فضلت أبص للجملة وقت طويل.
وبعدين فتحت الرسالة.
بنتي الحبيبة…
مجرد الكلمتين دول خلوني أنهار.
قعدت على الأرض وبدأت أقرأ.
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أكيد كبرتي وبقيتي أم، وأكيد فتحي وفى بوعده ليا.
أنا عارفة إنك هتزعلي إني خبيت عنك حاجات.
وعارفة إنك ممكن تسألي نفسك ليه خليت فتحي يخبي الحقيقة.
لكن يا صافي، أنا ما كنتش خايفة من الحقيقة.
أنا كنت خايفة عليكي من الناس اللي ممكن تستخدم الحقيقة عشان تكسرك.
وقفت.
بصيت لعماد.
قال
كملي.
رجعت للرسالة.
أبوكي كان راجل طيب، لكنه مات بدري، وساب وراءه مشاكل كتير.
وكان عنده ناس شايفين إنك مجرد طفلة ومش هتعرفي تحافظي على حقك.
فتحي وقف قدامهم.
مش لأنه كان زوجي.
لكن لأنه اختار يكون أبوكي.
في اليوم اللي وافق فيه يربيكي، قال لي جملة عمري ما نسيتها.
قال لو ربنا كتب لي أعيش، البنت دي هتكون بنتي حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده.
دموعي نزلت أكتر.
ومن يومها، فتحي كان بيحوش كل ورقة تخصك.
وكان بيكتب كل حاجة.




