
وأنا لسه مش عارف إن اللي عملوه في مراتي كان مجرد بداية
وإن الحقيقة اللي كانت مستخبية في الكشكول ده، كانت أخطر بكتير من حكاية مية ألف جنيه.
واللي كنت هعرفه بعدها
كان كفيل يهدّ بيتنا كله فوق دماغهم.
الجزء التاني الكشكول اللي محدش كان عايزني أشوفه
قلبت الصفحة الأخيرة مرة تانية، وأنا مش مستوعب اللي مكتوب قدامي.
كان فيه جدول طويل، متقسم لتواريخ ومبالغ وأسماء.
وفي آخر كل سطر توقيع.
توقيعي أنا.
أو على الأقل توقيع شبه توقيعي لدرجة إن أي حد يشوفه من بعيد ممكن يصدقه.
رفعت عيني لمنى.
إيه ده؟
منى كانت واقفة قدامي، إيديها بتترعش، ووشها لسه عليه آثار الضړب.
ده اللي حصل وأنا غايب يا أحمد.
رجعت بصيت للكشكول.
أول سطر كان من حوالي تسعة شهور.
يعني بعد ما سافرت بأيام.
المبلغ خمسة وعشرون ألف جنيه.
المستفيد سارة أحمد الشاذلي.
وتحتهم إمضتي.
السطر التاني
المبلغ أربعون ألف جنيه.
المستفيد الحاجة نوال أحمد الشاذلي.
والتالت
المبلغ خمسة وثلاثون ألف جنيه.
المستفيد سارة أحمد الشاذلي.
المجموع كان مية ألف جنيه بالظبط.
لكن اللي خلاني أحس ببرودة في ضهري مش المبلغ.
كان فيه ملاحظة صغيرة مكتوبة على جنب الصفحة
المبلغ اتسلّم من أحمد، بموافقته، مقابل التنازل عن نصيبه في البيت.
فضلت باصص للجملة دي ثواني طويلة.
وبعدين سألت
هو أنا وقّعت على تنازل عن البيت؟
منى هزت راسها بالنفي.
لأ.
أمال الإمضا دي إيه؟
منى قربت مني، وفتحت صفحة تانية.
بص على التاريخ.
كان التاريخ قبل سفري بيومين.
والورقة دي كانت صورة من إيصال استلام فلوس، باسم سارة.
لكن في نفس اليوم ده، أنا كنت في الوحدة من الصبح لحد بليل.
وكنت فاكر إن أمي اتصلت بيا عشان تطمن عليّا.
ما كنتش أعرف إن في الوقت ده، حد كان بيستخدم اسمي وبيمضي مكاني.
قعدت على الكرسي، وحطيت الكشكول على الترابيزة.
منى إنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت
عشان أنا اللي كنت بدفع الفلوس.
بصيتلها باستغراب.
إنتِ؟
أيوه. كل شهر كانوا بيطلبوا مني فلوس. مرة يقولوا مصاريف علاج، ومرة يقولوا إن فيه قسط لازم يتدفع، ومرة يقولوا إنك إنت اللي بعت الفلوس. ولما كنت أسأل عن الإيصالات، كانوا يقولوا لي إنتِ مالك؟ دي فلوس العيلة.
طب إزاي وصلوا لمية ألف؟
منى بصت للأرض.
أنا بعت دهبي.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
دهبك؟
هزت راسها.
الدبلة القديمة، والسلسلة اللي أمي كانت جايباهالي، والغويشة كلهم. وبعدين استلفت من
واحدة صاحبتي. ولما خلصت الفلوس، بدأت أخيط طول اليوم والليل. كنت بشتغل عشان أسدد، بس كل ما أسدد حاجة، يظهر طلب جديد.
وإنتِ ليه ما قلتيليش؟
ابتسمت ابتسامة مکسورة.
كنتبكلمك، بس كل مرة كنت بتقول لي إنك في مأمورية ومش عايز تقلقني. وأنا ما كنتش عايزة أكون سبب في إنك تتعب هناك.
سكتنا.
وبعدين سألتها
طب موضوع الكهربائي ده؟
منى رفعت عينيها.
اسمه عماد. ده مش كهربائي بس. ده ابن خالتي، وبيشتغل في مكتب محاماة في القاهرة. كنت بطلب منه يساعدني أعرف الفلوس دي بتروح فين.
يعني أمي وأختي كانوا عارفين إنه بييجي؟
أيوه. وكانوا كل مرة يشوفوه يقولوا إنه عشيقي. عشان محدش يسأل هو بييجي ليه.
قمت من مكاني فجأة.
طب والضړب؟ مين عمل فيك كده؟
منى ما ردتش.
بس دموعها نزلت.
وقتها فهمت إن السؤال ده كان أصعب من كل اللي فات.
اللي حصل في اليوم اللي قبله
منى كانت قاعدة في الصالة بتخيط فستان لواحدة من الجيران، لما سارة دخلت عليها.
قومي معايا.
على فين؟
أوضة ماما.
منى حطت القماش على رجليها.
عندي شغل لازم أخلصه.
سارة قربت منها، وخطفت القماش من إيدها.
إنتِ لسه هتعملي فيها محترمة؟ إنتِ فاكرة إننا مش عارفين كل حاجة؟
عارفين إيه؟
الفلوس اللي بتاخديها من الرجالة.
منى قامت من مكانها.
أنا مش هاخد منك كلام بالشكل ده.
سارة صڤعتها.
وبعدها دخلت الحاجة نوال، وهي ماسكة ماكينة قص شعر قديمة.
خلاص يا سارة. سيبيها لي.
منى رجعت لورا.
إنتوا عايزين مني إيه؟
أمي قفلت باب الأوضة، وقالت
عايزينك توقّعي على ورقة.
ورقة إيه؟
تنازل عن نصيب أحمد في البيت.
منى بصت لها بذهول.
أحمد مش هنا. وأنا ما ليش حق أتنازل عن حاجة باسمه.
سارة ضحكت.
هو مش هيعرف. وبعدين إحنا مش بنسرقه. إحنا بنحافظ على حقنا.
أنا مش هوقّع.
أمي قربت منها.
يبقى هتندمي.
منى حاولت تخرج، لكن سارة وقفت قدام الباب.
اللي حصل بعدها كان سريعًا ومهينًا.
شدوا شعرها، وضړبوها، وقصوا شعرها بالمقص، وبعدها أجبروها تقعد على الأرض.
ولما حاولت تصرخ، أمي قالت لها
اصړخي براحتك.
الناس هتسمع إنك بتتخانقي معانا عشان الفلوس.
لكن منى كانت أذكى منهم.
قبل ما ياخدوها للأوضة، كانت خبّت الكشكول في حلة الرز.
وسجلت كل حاجة فيه.
كل مبلغ.
كل اسم.
كل ټهديد.
وكل مرة أمي أو سارة حاولوا يجبرواها على توقيع.
رجعت أبص في الكشكول.
ليه ما بلغتيش الشرطة؟
منى ردت بصوت واطي
حاولت.
حاولتي؟
أيوه. بس كل مرة كنت بخاف. كانوا بيقولوا لي إنهم هيقولوا إنك إنت اللي باعتني أستلف، وإنك هتدخل السچن بسبب الفلوس. وأنا كنت عارفة إنك بعيد، ومش عايزة أعملك مشكلة.
مسكت إيدها.



