روايات

المرتبه الملطخة

مديت إيدي وخدت صورة تانية. الصورة كان فيها أمي وهي أصغر، واقفة جنب راجل ماعرفوش. وشه كان نصه في الضل، لكن ملامحه واضحة. سألت: — ده مين؟ أمي ما ردتش في الأول. قلت بصوت أعلى: — مين الراجل ده؟ قالت: — أبوك الحقيقي. فضلت أبص للصورة. ملامحه كانت غريبة ومألوفة في نفس الوقت. شكل العين. الحاجب. حتى طريقة الوقفة. حاجات كنت شايفها في وشي طول عمري من غير ما أعرف مصدرها.

قلت: — مات؟ أمي هزت راسها بالنفي. — لأ. رفعت عيني عليها بسرعة. — عايش؟ قالت: — على حد علمي… أيوه. — وعمره ما سأل عني؟ أمي قالت: — الموضوع مش كده. — طب إزاي؟ بدأت تجمع الصور بسرعة كأنها ندمت إنها فتحت الصندوق. مسكت إيدها. — لأ. دلوقتي هتقولي كل حاجة. اتنهدت. وقالت: — أنا لما خلفت البنت الأولى، كنت صغيرة، وأهلنا ضغطوا عليا عشان أسيبها. بعد سنين، رجعت أشوف الراجل اللي كان أبوها.

سكتت. — حصل بينا خلاف كبير. قلت: — وأنتِ كنتِ متجوزة وقتها؟ قالت: — لأ. وبعدين بصتلي مباشرة. — بعدها بسنة تقريبًا… عرفت إني حامل فيك. قلبي بدأ يدق أسرع. — وأبويا اللي رباني؟ — قابلته وأنا حامل. سكتت لحظة. — وأنا قلتله الحقيقة من أول يوم. ماقدرتش أمنع نفسي إني أسأل: — وهو وافق يربيني؟ أمي ابتسمت وسط دموعها. — هو اللي أصر. حسيت حاجة جوايا اتكسرت وحاجة تانية اتصلحت في نفس الوقت.

لكن لسه كان فيه سؤال أكبر. — طيب البنت؟ أمي بصت للصندوق. — كانت تعرف. قلت: — تعرف إيه؟ — تعرف إنك أخوها. سحبت جواب تاني من الظرف. — وهي اللي طلبت إننا مانقولكش. فتحت الورقة. في آخر الرسالة كان مكتوب: “خليه يعيش مع الرجل اللي اختاره أبًا، من غير ما تدخلوا الماضي بينهما.” وقفت عند الجملة. وبعدين لاحظت إن فيه ورقة تانية لازقة وراها. فصلتها. كانت أحدث. أحدث بكتير.

التاريخ من حوالي خمس سنين بس. قريت: “لو غيرتوا المرتبة في يوم، يبقى غالبًا الوقت جه.” بصيت لأمي. هي بقى وشها أبيض. قلت: — إنتِ شفتي الرسالة دي قبل كده؟ قالت بصوت ضعيف: — لأ. قريت السطر اللي بعدها. “أنا جاهزة أقابله.” نفسي اتقطع. تحت الجملة كان فيه رقم تليفون. واسم واحد. وأنا لسه ببص للورقة، سمعت باب البيت يتفتح. أبويا دخل. كان واقف في آخر الممر، وشه متوتر، ونفسه عالي.

بص للصندوق المفتوح. وبصلي. وقال: — كنت عارف إن اليوم ده هييجي. قلت له: — إنت كنت عارف إن الرسالة دي هنا؟ قرب ببطء. — أيوه. — وعارف إنها عايزة تقابلني؟ سكت. بصيتله بصدمة. — ليه ماقولتليش؟ قال: — لأن قبل ما تكلمها… لازم تعرف آخر حاجة. فتحت الظرف الصغير. جواه كانت فيه ورقة واحدة. وفي أولها مكتوب: “للرجل الذي ربّى ابني.” فضلت ساكت. أختي قالت: — اقراها. بدأت. “أنا مدين لك بحاجة أكبر من أي فلوس.

إنت خدت طفل مش ابنك، وحبيته من غير شروط. وأنا، رغم إنه ابني، فضلت واقف بعيد. عمري ما هطلب منه يعتبرني أبوه بعد كل السنين دي. الأبوة مش تحليل دم. الأبوة هي الشخص اللي كان موجود لما الطفل خاف، ولما وقع، ولما نجح، ولما فشل.” وقفت. حسيت إن الكلام بيخبط جوايا في مكان مختلف. كملت. “لو ابني غضب منك لأنك خبيت الحقيقة، خليه يغضب. إنت تستحق غضبه أقل مما أستحق أنا.

بس أتمنى في يوم يفهم إنك كنت بتحاول تحمي حياته اللي أنا كنت ممكن أخربها.” قفلت الورقة. سألت أختي: — إنتِ قريتي ده قبل كده؟ قالت: — لأ. أول مرة. قلت: — طب الحساب قيمته كام بالظبط؟ ناولتي الورق. الرقم كان كبير. كبير جدًا بالنسبة لحاجة بدأت بـ”مبلغ صغير كل سنة”. استثمارات سنين طويلة خلت المبلغ يوصل لقيمة تغير حياة عيلة كاملة. لكن الغريب إني مافكرتش في نفسي. أول حاجة جات في دماغي كانت أبويا.

الراجل اللي رماني في البحر وأنا صغير عشان يعلمني أعوم، وبعدين نط ورايا لما خفت. الراجل اللي استناني بره أول مقابلة شغل. الراجل اللي وقف جنبي يوم جوازي. رجعت البيت قبل المغرب. لقيته قاعد على نفس الكرسي. أول ما دخلت، وقف. قال: — عرفت؟ قلت: — عرفت. سكت. مديت له الجواب. — ده ليك. قرأه. وفي نص الكلام، نظارته بدأت تترعش في إيده. لما خلص، قفل الورقة. وقال: — كان لازم أقولك.

قلت: — أيوه. نزل عينه. — خفت أخسرك. قلت: — وأنا زعلان. هز راسه. — من حقك. قربت منه. — بس فيه حاجة إنت مش فاهمها. رفع عينه. قلت: — أنا اكتشفت النهارده مين والدي الحقيقي. وشه اتكسر. قبل ما يبعد، كملت: — هو إنت. فضل يبصلي. قلت: — الراجل التاني أبويا بالدم. — إنما إنت اللي ربيتني. دموعه نزلت. وأول مرة في حياتي أشوف أبويا بيعيط بالطريقة دي. حضنته.

فضلنا واقفين من غير كلام. وبعدين سمعت أمي ورايا. كانت واقفة عند باب الممر. قلت لها: — وإنتِ كمان أنا زعلان منك. هزت راسها وهي بتعيط. — عارفة. قلت: — بس مش هضيع اللي باقي من عمرنا في العقاب. قربت منها. — شرط واحد. قالت: — أي حاجة. قلت: — من النهارده مافيش أسرار. ضحكت وسط دموعها. — موافقة. افتكرت المرتبة. وسألت فجأة: — على فكرة… ليه حطيتوا كل ده تحت مرتبة؟

أبويا وأمي بصوا لبعض. وبعدين أبويا ضحك لأول مرة من الصبح. قال: — لأن أمك قالت إن محدش في الدنيا هيقدر يقنعها ترمي المرتبة دي. بصيت لها. قلت: — يعني 31 سنة وإنتِ متمسكة بيها عشان الصندوق؟ قالت: — في الأول أيوه. — وبعد كده؟ هزت كتفها. — بعد كده اتعودت عليها. ضحكت. لأول مرة من يومين، ضحكنا كلنا. لكن كان لسه فيه شخص ناقص. بصيت لأختي اللي كانت واقفة عند الباب.

وقلت: — وإنتِ مش هتمشي. قالت: — أقصد إيه؟ قلت: — إحنا ضيعنا سنين كفاية. بعد أسبوع، رجعنا كلنا للبيت الريفي. المرة دي كانت أختي معانا. أمي من لحظة ما شافتها عند الباب ماقدرتش تتحرك. فضلت واقفة. أختي كمان. 31 سنة من الندم والأسئلة واقفة بينهم. أمي قالت: — أنا آسفة. أختي قربت منها. قالت: — أنا عارفة. أمي بدأت تعيط. — كنت صغيرة وخايفة. أختي قالت: — وأنا زعلت منك سنين.

سكتت. وبعدين كملت: — بس تعبت من الزعل. حضنوا بعض. وأنا وأبويا وقفنا بعيد. هو همسلي: — أعتقد إننا مالناش لازمة هنا. قلت: — لأول مرة كلامك صح. ضحك. دخلنا أوضة النوم. المرتبة الجديدة كانت مكانها. نضيفة. مستقيمة. من غير بقع. ومن غير أسرار تحتها. العاملين كانوا سابوا القديمة في المخزن يوم اكتشاف الصندوق لأن محدش كان عايز يلمس حاجة قبل ما نقرر. بصيت لأبويا. قلت: — نرميها بقى؟ صوت أمي جه من ورا الباب:

— ارموها! ضحكنا كلنا. اتصلت بالعمال. وبعد يومين، المرتبة اللي فضلت في العيلة 31 سنة خرجت أخيرًا من البيت. أما الفلوس اللي سابها والدي البيولوجي… ماكنتش محتاجها علشان أبدأ حياتي. أنا كان عندي شغلي وحياتي. فقررت أعمل بيها حاجة مختلفة. جزء منها خصصته لرعاية أمي وأبويا طول ما هما عايشين. وجزء ساعدت بيه أختي تبدأ حياة أهدى. والباقي حطيته في مؤسسة صغيرة تساعد الأطفال اللي اتفرقوا عن أهلهم يعرفوا أصلهم بطريقة قانونية وآمنة.

مش لأن قصتي كانت جميلة. الحقيقة إنها كانت موجعة. لكنها علمتني حاجة. إن فيه فرق كبير بين السر والحماية. أحيانًا بنخبي الحقيقة عن حد وإحنا مقتنعين إننا بنحميه… لكن الحقيقة لما تتأخر، بتوجع أكتر. بعد شهور، كنا قاعدين كلنا على سفرة واحدة في البيت الريفي. أمي وأختي بيتخانقوا على وصفة أكلة قديمة. أبويا نايم في الكرسي والجورنال على وشه زي عادته. وأنا كنت واقف عند باب أوضة النوم. بصيت للمرتبة الجديدة.

وافتكرت المكالمة اللي بدأت كل حاجة. عامل غريب بيقول لي: “ماتجيبش والدتك لأوضة النوم.” لو كان شال المرتبة من غير ما يبص… كان ممكن الصندوق يترمي. والحقيقة تضيع للأبد. دخلت الصالة. أمي قالت: — بتعمل إيه واقف لوحدك؟ قلت: — ولا حاجة. بعدين بصيت حواليَّ. لأبويا. لأمي. ولأختي اللي عرفتها بعد ما فات نص العمر تقريبًا. وابتسمت. لأن في النهاية، المرتبة القديمة ماكانتش مخبية فضيحة. كانت مخبية عيلة كاملة… مستنية حد يرفعها عن الماضي.

تمت

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى