روايات

بعد ان د.فن زوجي حكايات حماده

ولمست شيئًا صغيرًا وحادًا.
شيئًا يحمل اسمي.
شيئًا لم يعرف ابني بوجوده طوال كل تلك السنوات.
شيئًا أعددته قبل وفاة زوجي بوقت طويل…
ابتسمت للمرة الأولى منذ أيام.
ثم بدأت أمشي.
لكنني هذه المرة…
لم أكن أمشي بعيدًا عن حياتي.
كنت أمشي نحو الحياة التي أخفيتها عنهم.
وكان ابني على وشك اكتشاف أن البيت والشركة لم يكونا الشيء الوحيدين اللذين تركهما والده وراءه.
فما كنت أحمله في حقيبتي…
كان قادرًا على تغيير كل شيء.

والسر الذي لم يعرفه أولادي عني سيجعلهم يتمنون لو أنهم لم يتركوني في ذلك الطريق أبدًا.
يتبع…
حكايات حماده
مشيت على الطريق وأنا ماسكة الحقيبة بكل قوة، رغم إن رجلي كانت بتوجعني من حذاء الجنازة.
كل خطوة

كنت باخدها كانت بتفكرني بكلمة ابني
البيت والشركة بقوا ملكي دلوقتي.
الغريب إني ما كنتش غاضبة من الجملة نفسها
كنت غاضبة لأنه قالها بثقة.
ثقة شخص متأكد إن مفيش حاجة ممكن توقفه.
بعد حوالي عشر دقائق، سمعت صوت عربية جاية من بعيد.
وقفت.
لم أكن أعرف هل أرفع يدي أم أختبئ.
لكن العربية توقفت أمامي.
كانت شاحنة صغيرة قديمة، ونزل منها رجل في أواخر الخمسينات، نظر إليّ باستغراب وقال
يا حاجة إنتِ بتعملي إيه هنا لوحدك؟
ترددت لحظة.
ثم قلت
ابني وصلني هنا ومشي.
اتغيرت ملامحه فورًا.

مشي وسابك؟
هزيت رأسي.
نظر إلى ملابسي السوداء، ثم إلى الحقيبة، وفهم أنني كنت خارجة من جنازة.
قال
اركبي، أوصلك لأقرب مكان فيه ناس.
ركبت.
وأثناء الطريق، لم أسأله عن شيء.
لكن هو كان يرمقني من المرآة بين لحظة وأخرى.
وبعد دقائق قال
اسمك إيه يا حاجة؟
فتحت فمي
ثم سكت.
لأول مرة منذ سنوات، ترددت قبل أن أقول اسمي.
ليس خوفًا منه.
بل لأنني أدركت أن اسمي نفسه كان جزءًا من السر.
قلت أخيرًا
اسمي نوال.
ابتسم وقال
تشرفنا يا ست نوال.

ثم أضاف
على فكرة أنا أعرف المنطقة دي كويس.
نظرت إليه.
تعرفها؟
أيوه. وفيه مكان قريب هنا، يمكن يكون مناسب ليكي.
شعرت بشيء غريب في قلبي.
لأن المكان الذي كان يقصده
لم يكن مكانًا عاديًا.
بعد ربع ساعة، توقفت الشاحنة أمام مبنى قديم من طابقين، بابه الحديدي عليه لوحة صغيرة.
نزلت وأنا أنظر حولي.
وفجأة
تجمدت في مكاني.
كان هناك شيء أعرفه.
شيء لم أره منذ أكثر من عشرين سنة.
مشيت ببطء نحو الباب، ومددت يدي إلى اللوحة.
كان عليها اسم شركة قديمة.

نفس الاسم الذي كان زوجي يستخدمه في أول مشروع له.
التفتُّ للرجل وقلت
إنت جبتني هنا ليه؟
قال باستغراب
عشان دي مؤسسة الأستاذ فؤاد مش جوزك اسمه فؤاد؟
شعرت بقلبي يتوقف للحظة.
زوجي لم يكن قد ذكر اسم هذه المؤسسة أمام أولادي منذ سنوات.
بل كان يظن أنها انتهت تمامًا.
لكنها لم تنتهِ.
لأنني أنا من كنت أحتفظ بالمفتاح.
أدخلت يدي في حقيبتي، وأخرجت الشيء الصغير الحاد الذي أخفيته.
لم يكن مفتاحًا عاديًا.
كان مفتاح خزانة حديدية.

وعليه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط زوجي
لو اضطررتِ يومًا لاستخدامه لا تثقي في أول شخص يحاول مساعدتك.
توقفت عن التنفس.
لأن الرجل الذي أوصلني كان واقفًا خلفي
ويحدق في المفتاح.
ثم قال بصوت مختلف تمامًا
يعني هو أخيرًا خلاكي تفتحيها؟
التفتُّ إليه ببطء.
إنت تعرف المفتاح ده؟
لم يجب.
فقط أخرج من جيبه ظرفًا بنيًا قديمًا.
ووضعه في يدي.
نظرت إلى اسمي المكتوب عليه.
ثم قرأت الجملة الأولى
نوال لو وصل الظرف ده ليكي، يبقى أولادي حاولوا ياخدوا كل حاجة.
يدي بدأت ترتجف.

لكن قبل ما أفتح الظرف
رن هاتف الرجل.
نظر إلى الشاشة، وتغير وجهه تمامًا.
قال
لازم نمشي من هنا حالًا.
ليه؟
رفع عينيه نحوي وقال
لأن ابنك عرف إنك لسه عايشة
ثم أضاف
وهو مش جاي يدور عليكِ لوحده أول ما سمعت كلامه، حسيت إن الدم انسحب من وشي.
قلت له
يعني إيه

مش جاي لوحده؟
قفل المكالمة بسرعة، وبص ناحية الشارع.
مش وقت أسئلة. اركبي.
لكن المرة دي ما تحركتش.
مسكت الظرف بقوة وقلت
أنا مش هتحرك خطوة قبل ما أعرف الحقيقة.
فضل ساكت ثواني، وبعدها تنهد وقال
جوزك كان عارف إن أولادك ممكن يعملوا كده.
اتجمدت.
عارف؟!
أيوه.
وكان سايبني أعيش معاهم كل السنين دي وهو عارف؟
هز رأسه.
كان بيحاول يحميكي بطريقته.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
يحميّني؟ هو مات وسابني لهم!
رد بهدوء
لا هو مات وساب خطة.
فتحت الظرف بسرعة.

كان جواه ثلاث أوراق وصورة قديمة ومفتاح صغير.
أول ورقة كانت مكتوبة بخط زوجي
نوال، لو أنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجود، وأول اختبار حقيقي للخطة بدأ.
حبست دموعي.
وكملت القراءة.
أول حاجة هتسمعيها من أولادنا إن البيت والشركة أصبحوا من حقهم. ما تصدقيش.
رفعت عيني للرجل.
يعني البيت مش بتاعهم؟
قال
كملي.
رجعت للورقة.
لكن أهم من البيت والشركة فيه شيء أخطر. شيء حاولت أخفيه عنهم لسنين.
توقفت.
قلبي بدأ يخبط.
قلبت الورقة.

في آخر السطر كان مكتوب
لو حاولوا يبعدوكي عن البيت، روحي للمكان الموجود في الصورة.
بصيت للصورة.
كانت صورة قديمة لزوجي واقف أمام مبنى أعرفه جيدًا.
لكن المفاجأة لم تكن في المبنى.
كانت في الشخص الواقف بجواره.
شهقت
مستحيل
الرجل اقترب.
تعرفيه؟
هززت رأسي وأنا أحدق في الصورة.
ده أخو جوزي.
قال الرجل
أيوه.
بس أخوه مات من خمسة عشر سنة!
سكت الرجل.
ثم قال
مين قال لك إنه مات؟
وقعت الصورة من إيدي.

وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المبنى.
رفع الرجل رأسه بسرعة.
نظر من النافذة.
ثم أمسك بذراعي وقال
خلاص وصلوا.
مين؟
نظر إليّ بعينين مليئتين بالقلق.
ابنك ومعاه شخص المفروض إنك عمرك ما تقابليه تاني.
وقبل ما أقدر أسأله مين، انطفأت أنوار السيارة بالخارج.
ثم نزل منها شخص ببطء.
وقف تحت ضوء الشارع.
وعندما رفع وجهه ناحية النافذة
عرفته فورًا.
كان الشخص الذي رأيته في الصورة.
الشخص الذي قيل لي إنه مات منذ خمسة عشر عامًا.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن الرجل رفع يده
وأشار مباشرة إلى المفتاح الموجود في إيدي.
ثم ابتسم.
وقال من خلف زجاج النافذة
نوال افتحي الباب.
تراجعت خطوة.
لأن صوته كان نفس الصوت الذي سمعته آخر مرة قبل خمسة عشر عامًا
يوم اختفى زوجي لمدة ثلاثة أيام.
وفي تلك اللحظة فقط، فهمت أن وفاة زوجي
لم تكن بداية المصيبة.
كانت نهايتها المؤجلة وقفت مكاني كأن رجلي اتثبتت في الأرض.
صوت الرجل من خلف الباب رجعني لليوم القديم، اليوم اللي كنت فاكرة إني دفنته مع ذكرياتي.

لكن الرجل اللي معايا شد على دراعي وقال
متفتحيش.
بصيت له
ده أخو جوزي أنا شوفته بعيني.
قال بهدوء
عشان كده بالضبط متفتحيش.
في اللحظة نفسها، خبط الرجل على الباب.
خبطة واحدة.
ثم قال
نوال أنا عارف إنك جوا.
ما رديتش.
فقال
وفاكر إن فؤاد قالك إني مت.
جسمي كله ارتعش.
إزاي يعرف الكلام ده؟
الرجل اللي معايا قرب مني وقال
الظرف افتحي

الورقة التانية.
فتحتها بإيد مرتعشة.
كان فيها سطر واحد
الشخص الذي سيظهر لكِ بعد وفاتي ليس عدوك لكنه ليس حليفك أيضًا.
رفعت عيني.
يعني إيه؟
قال الرجل
يعني جوزك كان عارف إنه هيظهر.
قبل ما أستوعب، سمعنا صوت سيارة تانية بتقرب.
الرجل اللي واقف برا التفت ناحية الطريق.
وفجأة ابتسامته اختفت.
دي عربية ابنك.
قلبي وقع.
هو

في رسالة وصلت من رقم جوزك.
مد لي الجهاز.
وكانت الرسالة قصيرة جدًا
نوال لا تثقي بابني.
ثم وصلت رسالة ثانية بعدها مباشرة
ولا تثقي بأخي.
رفعت عيني إليه.
وقبل أن أنطق
وصلت الرسالة الثالثة.
وكانت هي التي جعلتني أفهم أن الخطر الحقيقي لم يبدأ بعد
الشخص الوحيد اللي تقدري تثقي فيه هو الشخص اللي هيدخل الباب بعد خمس دقايق فضلت أبص للشاشة وأنا مش قادرة أستوعب.
قلت للرجل
مين الشخص اللي جوزي بيتكلم عنه؟
قال
معرفش.
لكن صوته ما كانش مقنع.

قلت له
أنت بتكدب.
وقبل ما يرد، سمعنا خطوات على السلم.
حد كان طالع.
خطوة
ثم خطوة
ثم توقف أمام باب الغرفة.
ابني من الخارج بدأ يخبط بعنف
ماما! افتحي! لازم نتكلم!
لكن الشخص الواقف أمام الباب لم يتحرك.
ثواني صمت.
ثم جاء صوت امرأة
نوال؟
اتجمدت.
صوت أعرفه.
فتحت عيني على اتساعهما.
مستحيل
الرجل بجانبي قال
تعرفيها؟
قلت بصوت منخفض
دي أختي.

لكن أختي كانت تعيش في مدينة أخرى، ولم تكن تعرف شيئًا عن الخزنة أو المؤسسة أو أسرار زوجي.
فتح الباب ببطء.
دخلت أختي وهي تحمل حقيبة سوداء.
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت
كنت مستنياكي من سنين.
قلت
مستنياني ليه؟
أغلقت الباب خلفها.
ثم نظرت للرجل الموجود معي وقالت
وإنت لسه بتنفذ وصية فؤاد؟
لم يجب.
اقتربت مني وأمسكت يدي.
نوال، اسمعيني كويس. اللي حصل النهارده مش صدفة.
ابني خدني ورماني في الطريق!
عارفة.
وإنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها.

مش كل حاجة لكن فؤاد كان

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى