
عالج الأطباء سوء التغذية بصبر لأن الجسد الجائع لا ينقذ بالوفرة المفاجئة بل بالحصص الصغيرة مع الوقت والمراقبة الدقيقة.
نظفت الجروح القديمة.
وعولجت الالتهابات التي أهملت طويلا.
ووضع الأضعف في أسرة نظيفة وتركوا المصابيح مضاءة ليلا كي لا يستيقظوا في ظلام دامس يشبه المــ,,ـــــوت كثيرا.
في اليوم الثالث عاد جام صاحب.
لم يأت بموكب صاخب.
جاء شبه وحيد مع المترجم ومساعدين يحملون صناديق.
جلس على مقعد في الساحة في الظل كأنه يزور عائلته.
كان الأطفال يراقبون من بعيد بحذر كهررة جريحة.
أخرج من صندوق دفاتر وأقلام رصاص وطباشير وكرة جلدية ودمى قماشية صغيرة وشيئا كان أندر من الذهب بالنسبة لكثيرين صابونا معطرا.
قال وهو يرفع دفترا
هذا لتكتبوا ما تتذكرونه وما تحلمون به.
لن يأخذ أحد كلماتكم منكم.
سأله فتى في الخامسة عشرة تقريبا بوجه قاس من الخسارة بصوت أجش
لماذا يفعل هذا
نقل المترجم
السؤال.
توقف جام صاحب لحظة لا لأنه لا يعرف الجواب بل لأنه أراد أن يقوله بدقة.
قال
لأنه لو كان لي أطفال لتمنيت أن ينقذهم أحد.
ولأن المعاناة ليست جواز سفر.
والرحمة لا تحتاج إلى تصاريح.
منذ ذلك اليوم بدأ شيء يتغير في بالاتشادي.
بدأ الأطفال ينظمون أنفسهم بشكل غريزي تقريبا كما تفعل أي جماعة تكافح للبقاء لكن هذه المرة بهدف مختلف الحياة.
تكونت مجموعات عمرية.
ساعدت الفتيات الأكبر سنا الصغيرات على الغسل وتمشيط الشعر وإعادة تعلم روتين الصباح بلا خوف.
حفر الفتيان الأكبر خنادق لتصريف المياه خلال موسم الأمطار لا كعقاب بل كعمل مفيد.
بنوا منصة خشبية صغيرة كانوا يقصون عليها القصص بالبولندية ليلا كأن الحديث بلغتهم يعيد إليهم ما حاولت الحرب محوه.
عثرت ماريا على ورقة مجعدة رطبة في جيب تنورتها الشيء الوحيد الذي حافظت عليه طوال الرحلة.
كانت ورقة بخط يد أمها بالكاد تقرأ تحتوي على جملة وسطرين
احمي أخاك. لا تنسي من تكونين.
قرأت ماريا الكلمات مرارا حتى توقفت عن إيذائها كسكــ,,ـــــين وبدأت تؤلمها كذكرى.
أما أخوها بيوتر فقد قل كلامه فترة.
كان يستيقظ ليلا وهو يصرخ فتركض ماريا إلى سر,,ـــــيره تحتضنه وتغني له أغنية كانت أمهم تغنيها لهما في وارسو قبل أن ينهار كل شيء.
في البداية خرج اللحن مكسورا.
ثم مع مرور الأيام عاد تدريجيا.
كانت هناك معلمة بولندية بين البالغين المرافقين امرأة نحيلة تدعى زوفيا وعيناها مثقلتان
بالإرهاق.
استدعاها جام صاحب وقال لها
أنتم بحاجة إلى مدرسة.
ليس الطعام فقط.
الحرب سرقت وقتكم.
سنحاول أن نعيده.
فتحت الصفوف.
درست البولندية والرياضيات والتاريخ وقليل من الإنجليزية كي لا يفاجئهم المستقبل.
لكن الأهم كان الجو التعلم دون ضــ,,ـــــرب دون إهانة دون ذلك الرعب الذي يمنع العقل من النمو.
ذات يوم بينما كانت ماريا تنسخ قصيدة في دفترها لاحظت شيئا غريبا خطها يشبه خطها القديم في مدرستها بحيها السابق.
نفس الانحناءة نفس الميل.
كأن طفلة صغيرة ما زالت باقية تحت كل ذلك الفقد.
لم تختف التوترات السياسية.
استمرت الرسائل والاجتماعات والتحذيرات.
مارس البريطانيون ضغطهم عبر البيروقراطية تصاريح حصص وتهديدات مبطنة تتعلق بالموارد والسلطة.
خشي بعض المسؤولين المحليين من العواقب.
وتذمر آخرون قائلين إن هؤلاء الأطفال ليسوا شأن ناواناغار وإنهم يجلبون المشاكل والتكاليف والتعقيد.
كان جام صاحب يستمع ويرد دائما بنفس الهدوء
إذا كان شعبي يستطيع أن يتقاسم الماء في زمن الجفاف
فبوسعه أن يتقاسم الخبز في زمن الحرب.
وفي مناسبة ما أصر ممثل بريطاني ببرود
هل تدرك يا صاحب السمو أن هؤلاء الأطفال مسؤولية منظمات دولية وأن تصرفك قد يخلق سابقة
نظر إليه المهراجا كما لو أن الرجل اعترف بشيء مخز.
وقال
بالضبط.
فلتكن سابقة.
مع مرور الوقت أصبحت بالاتشادي عالما بولنديا صغيرا على أرض هندية.
احتفلوا بعيد الميلاد بخبز حلو بدائي وشموع وتراتيل.
صنع الأطفال الزينة من الورق والأوراق اليابسة.
جلبت زوفيا بعض الطحين وبمساعدة الطهاة المحليين صنعت شيئا يشبه بيروغي.
لم يكن مثاليا لكنه كان منزليا.
في يناير جاء جام صاحب بهدية غير متوقعة ملابس دافئة للأشهر الأبرد ولكل طفل بطانية مطرزة في زاويتها بتطريز بسيط تاج صغير وكلمة Balachadi.
ليس لتأكيد الملكية بل لتذكيرهم بأنهم انتموا إلى مكان آمن.
احتفظت ماريا ببطانيتها كأنها علم.
حدثت أيضا صدمات ثقافية وهو أمر لا مفر منه لكن جرى التعامل معها بدقة نادرة في زمن الحرب.
تردد بعض الأطفال في تناول الطعام الحار وارتعب آخرون من أصوات الصلوات المحلية ومن الألوان الزاهية للأسواق ومن شمس لا تعرف الرحمة.
اقترب السكان المحليون بدافع الفضول في البداية لرؤية أولئك الأطفال الشاحبين الصامتين.
كانت هناك نظرات غريبة نعم لكن كانت هناك أيضا أياد ممدودة.
جلبت بعض نساء غوجارات الفاكهة والأقمشة وألعابا يدوية.
لم يستطعن نطق الأسماء البولندية لكنهن تعلمن الابتسام دون سؤال.
ذات مساء صيفي نظم الأطفال مباراة كرة قدم.
في البداية ركضوا بلا حماس كأن أجسادهم لم تتصالح بعد مع اللعب.
لكن بعد دقائق اشتعل شيء ما.
صرخوا.
ضحكوا.
دفعوا بعضهم بفرح خشن لمن نسي كيف يكون.
ركض بيوتر خلف الكرة بإصرار.
وحين ركلها أخيرا نحو المرمى لم يسجل هدفا لكنه نظر إلى قدميه كأنهما جديدتان.




